علي قاسم مقداد*
لم يكن الصراع السعودي- الإماراتي في اليمن نتاج خلاف تكتيكي عابر داخل تحالف الحرب، بل جاء تعبيراً عن تصادم مشاريع إقليمية ودولية متداخلة، تتجاوز اليمن بوصفه ساحة داخلية للصراع، لتضعه في قلب معركة السيطرة على أحد أهمّ الممرات الاستراتيجية في العالم: البحر الأحمر وباب المندب.
وفي هذا السياق، يتداخل دور العدوان الأميركي - الإسرائيلي بوصفه المظلة الحاكمة لمسار الحرب وأهدافها العميقة، حيث لم تكن العمليات العسكرية سوى أداة ضمن هندسة جيوسياسية أوسع للمنطقة.
منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحرب عام 2015، شكّل الغطاء الأميركي عنصراً حاسماً في بناء التحالف السعودي - الإماراتي، سياسياً وعسكرياً واستخبارياً. غير أنّ هذا الغطاء لم يكن محايداً بين طرفيه، بل خضع لمنطق توزيع الأدوار بما يخدم الاستراتيجية الأميركية الأشمل في الإقليم، القائمة على ضبط الممرات البحرية الحيوية، وتأمين التفوّق الإسرائيلي، ومنع صعود قوى إقليمية أو محلية قادرة على تهديد خطوط التجارة والطاقة العالمية.
ضمن هذا الإطار، مُنحت السعودية دور رأس الحربة في المواجهة البرية والسياسية، فيما أُنيط بالإمارات دور أكثر تخصّصاً يرتبط بالسيطرة البحرية وبناء نفوذ طويل الأمد على السواحل والجزر اليمنية.
تكتسب اليمن أهميتها الاستثنائية من موقعها المشرف على باب المندب، أحد أبرز الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، فهي ركيزة أساسية في أمن "إسرائيل" البحري، ولا سيما في ظلّ ارتباط البحر الأحمر بميناء "إيلات" وخطوط الملاحة الممتدة نحو آسيا وأفريقيا.
من هنا، لم يكن التركيز الإماراتي على عدن والمخا وسقطرى خياراً عسكرياً ظرفياً، بل جزءاً من مشروع متكامل ينسجم مع المصالح الأميركية–الإسرائيلية، الهادفة إلى منع تشكّل قوة يمنية مستقلة قادرة على تهديد حركة الملاحة أو فرض معادلات ردع في هذا الممر الحسّاس.
ورغم انخراط الطرفين ضمن المظلة الأميركية نفسها، فإنّ تباين الطموحات كشف حدود الشراكة بين الرياض وأبو ظبي. فالسعودية، التي أنهكتها حرب استنزاف طويلة ومكلفة، باتت تميل إلى البحث عن تسوية سياسية تقلّص خسائرها الأمنية والاقتصادية، فيما واصلت الإمارات الاستثمار في تفكيك البنية اليمنية، عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وبناء تشكيلات عسكرية وأمنية محلية تدين لها بالولاء، بما يضمن لها نفوذاً دائماً على السواحل والموانئ الاستراتيجية.
هذا التناقض لم يخرج عن الإطار الأميركي العامّ، لكنّه أفرز صراع نفوذ مباشر بين شريكين داخل المشروع الواحد: أحدهما يسعى إلى الخروج بأقلّ الخسائر الممكنة، والآخر يعمل على تثبيت مكاسب جيوسياسية بعيدة المدى، حتى وإن جاء ذلك على حساب وحدة اليمن واستقراره.
وفي خلفيّة هذا المشهد، برز الحضور غير المعلن لـ "إسرائيل" كعامل مؤثّر في مسار الحرب اليمنية، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن التعاون الأمني والاستخباري في البحر الأحمر، وحرص "تل أبيب" على منع أيّ قوة معادية من امتلاك قدرة التأثير على باب المندب.
في هذا السياق، يمكن فهم الدعم غير المباشر لأيّ ترتيبات تُضعف الدولة اليمنية المركزية، وتحوّل السواحل والجزر إلى مناطق نفوذ خاضعة لقوى محلية مرتبطة بالمحور الأميركي - الخليجي، بما يضمن أمن الملاحة الإسرائيلية ويحدّ من أيّ تهديد محتمل مصدره اليمن.
وهكذا، تحوّل الصراع السعودي - الإماراتي، في ظلّ الرعاية الأميركية والتقاطعات الإسرائيلية، إلى أداة لتفريغ الموقع اليمني من مضمونه السيادي، وتحويله إلى وظيفة أمنية في خدمة التوازنات الإقليمية والدولية.
وقد أدّى هذا المسار إلى نقل اليمن من دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً قادراً على تعزيز استقلالها، إلى ساحة مفتوحة لإدارة الصراعات الدولية. فبدل أن يشكّل باب المندب عنصر قوة لليمنيين، جرى توظيفه لتبرير الحرب، وإدامة الانقسام، ومنع نشوء سلطة وطنية قادرة على التحكّم بقرارها السيادي وبمقدّراتها الجيوسياسية.
ومع تراجع حدّة المواجهات العسكرية المباشرة، لا يبدو أنّ الصراع على اليمن قد وصل إلى نهايته. فالرهان الأميركي - الإسرائيلي على باب المندب لا يزال قائماً، كما أنّ التناقض بين الرياض وأبو ظبي لم يُحسم بعد. وما لم يُستعد القرار الوطني اليمني المستقل، سيبقى البلد ساحة صراع مفتوحة، تتبدّل فيها الأدوات والواجهات، فيما تبقى الأهداف ثابتة: السيطرة على الموقع، لا إنقاذ الدولة.
في الخلاصة، يكشف الصراع السعودي - الإماراتي في اليمن أنّ الحرب لم تكن يوماً معركة داخلية، بل فصلاً من صراع إقليمي - دولي على الجغرافيا والممرات البحرية، حيث يتقدّم أمن "إسرائيل" ومصالح واشنطن، فيما يُترك اليمنيون وحدهم لمواجهة كلفة الدم والدمار.
* المادة تعبر عن رأي الكاتب - موقع الميادين نت