السياسية :

في خطوة نوعية من شأنها المساهمة في إحداث تنمية مستدامة، أطلقت وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية مطلع شهر رمضان المبادرة الوطنية لتشتيل وزراعة نواة التمر، لتشكل رافعة مهمة من شأنها دعم القطاع الزراعي وتعزيز دوره في الأمن الغذائي.


تعد المبادرة التي أطلقت تحت شعار "نواة اليوم نخلة الغد"، نموذجا علميا وتحولا مهما في مسار تطوير قطاع النخيل في اليمن، حيث تسعى إلى تحويل النواة الصغيرة المتبقية من مائدة الإفطار إلى مشروع تنموي طويل الأمد، يهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية للنخيل، وتقليل الاعتماد على استيراد التمور، خلال السنوات المقبلة.

أبعاد اقتصادية واستراتيجية:

تركز المبادرة على إشراك المجتمع في زراعة نوى التمر المتوفرة في كل منزل، بما يسهم في بناء قاعدة إنتاجية واسعة للنخيل، تنعكس آثارها على سلسلة القيمة، ابتداء من مرحلة الغرس وحتى التسويق والتصنيع.

وأوضح وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية لقطاع الثروة النباتية الدكتور إبراهيم السراجي أن إطلاق هذه المبادرة يأتي في إطار رؤية استراتيجية شاملة لدعم قطاع الإنتاج النباتي وتعزيز دوره في التنمية المستدامة.

وأكد أن المبادرة ترسخ روح المشاركة المجتمعية في تنمية الإنتاج الزراعي والحفاظ على الثروة النباتية والغطاء النباتي من التدهور.. مشيرا إلى أن التغيرات المناخية العالمية تستدعي تبني خطط مرنة تدعم التوسع الزراعي، والاستفادة من المواسم المناخية لصالح التنمية.

وبين الوكيل السراجي أن النخيل من المحاصيل القادرة على التأقلم في بيئات متعددة، ما يعزز من مرونة القطاع الزراعي في مواجهة التحديات المستقبلية.

وأفاد بأن المبادرة لا تقتصر على بعدها الإنتاجي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى غرس ثقافة الزراعة في نفوس الأطفال والشباب وأبناء المجتمع، وتحويلها إلى سلوك متجذر يرتبط بتاريخ اليمن الزراعي وحضارته العريقة.

مشروع مجتمعي متعدد الأبعاد:

تمثل المبادرة - بحسب مهندسين زراعيين- مشروعاً وطنياً مجتمعياً متعدد الأبعاد الاقتصادية والبيئية والتنموية، حيث تهدف إلى تحويل الجهود الفردية إلى إنتاج وطني ملموس خلال أربع إلى خمس سنوات، وهي المدة المتوقعة لبدء الإثمار.

وأكدوا أن نجاح المبادرة سيسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، خصوصا وأن البلد يعد سوقاً استهلاكياً كبيراً للتمور، ما يجعل تعزيز الإنتاج المحلي أولوية اقتصادية ملحة.

وأشاروا إلى أن المبادرة الوطنية لتشتيل وزراعة نواة التمر لا تقتصر على منطقة جغرافية محددة، بل تشمل مختلف المحافظات، سواء الحارة أو المرتفعة أو المعتدلة، نظراً لقدرة النخيل على التكيف مع البيئات المتنوعة.

بناء قاعدة إنتاجية واسعة :

بدوره أكد ضابط سلسلة القيمة للنخيل عبد الرحمن هزاع أن المبادرة تمثل تحولاً مهماً في مسار تطوير قطاع النخيل، لما لها من أثر مباشر في توسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الإنتاج المحلي بتكلفة محدودة.

ولفت إلى أن الزيادة المتوقعة في الإنتاج قد تصل إلى نحو 20 ألف طن مستقبلاً، ما يسهم في تغطية احتياجات السوق المحلي، ويفتح آفاقاً للتصدير، ويعزز حضور المنتج الوطني في الأسواق الخارجية.

معاملات زراعية دقيقة لضمان النجاح :

وتؤكد الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي بأن نوى التمر تتطلب التزاماً دقيقاً بالإرشادات لضمان نجاح الإنبات ونمو الشتلة بشكل سليم.

ووفقا للهيئة فإن الخطوات تبدأ باختيار نوى ذات جودة جيدة، وغسلها لإزالة بقايا اللب، ثم تجفيفها ولفها في منديل ورقي مبلل بالماء داخل علبة بلاستيكية للحفاظ على الرطوبة حتى ظهور الجذير الأبيض، يلي ذلك نقل النواة إلى وعاء يحتوي على خليط تربة مكون من 50 بالمائة تربة زراعية و50 بالمائة رمل لضمان تصريف جيد للمياه ومنع تعفن الجذور، مع ضرورة الحفاظ على توازن الرطوبة دون إفراط أو جفاف.

وبينت أن برنامج الري يختلف باختلاف المناخ؛ ففي المناطق الحارة قد تحتاج الشتلات إلى ري يومي، بينما يكفي الري كل يومين أو ثلاثة في المناطق المعتدلة أو المرتفعة، مع التأكيد على أهمية التقليم والتسميد والتلقيح ومكافحة الآفات في المراحل اللاحقة.

بعد ديني ورؤية تنموية :

تحمل هذه المبادرة بعداً دينياً تحفيزياً، إذ ترتبط بثقافة الإفطار على التمر في رمضان، وتستند إلى قيم تحث على الغرس والعمل والإنتاج، بما يعزز ثقافة الزراعة كجزء من الهوية الحضارية والاقتصادية.

وتؤكد وزارة الزراعة أن نتائج المبادرة قد لا تظهر فوراً، إلا أن آثارها الإيجابية ستتجلى خلال السنوات المقبلة، لتشكل ركيزة أساسية في بناء قطاع زراعي أكثر قوة واستدامة.

سبأ