فخ الصواريخ الاعتراضية في مواجهة إيران
السياسية || محمد محسن الجوهري*
مع انطلاق عمليات العدوان الصهيو-أميركي ضد إيران في صباح السبت 28 فبراير، والتي استهدفت 500 هدف في أكبر هجوم جوي في التاريخ، جاء الرد الإيراني عبر عملية "الوعد الصادق 4" ليكشف عن ثغرة استراتيجية قاتلة في قلب المنظومة العسكرية الغربية، وهي أزمة "نقص الصواريخ الاعتراضية". هذه الثغرة حولت القواعد الأمريكية المنتشرة في الإمارات والبحرين وقطر والسعودية والكويت إلى أهداف مكشوفة، رغم الحشد العسكري الأمريكي الأكبر منذ غزو العراق عام 2003.
فبينما تطلق إيران مئات المسيرات والصواريخ الرخيصة، تضطر الدفاعات الأمريكية لاستنزاف مخزون سنوات من صواريخ ثاد وباتريوت في أيام قليلة، مما يضع القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في قلب المحرقة أمام عجز تقني ولوجستي عن صد موجات القصف المتلاحقة.
تكمن المعضلة الأساسية في أن الصواريخ الاعتراضية من طراز "ثاد" و"باتريوت" و"إس إم 3" هي أسلحة نادرة وبطيئة الإنتاج بشكل لا يتناسب مع وتيرة الحروب الحديثة. فبينما استهلكت الولايات المتحدة ربع مخزونها الإجمالي من صواريخ "ثاد" المخصصة للتصدي للصواريخ البالستية في غضون 12 يوماً فقط من العمليات السابقة، فإن قدرتها على التعويض متعثرة للغاية. وتصل تكلفة الصاروخ الواحد من طراز "ثاد" إلى 13 مليون دولار، أي ما يعادل عشرات الأضعاف من تكلفة الصاروخ البالستي الإيراني، مما يجعل الدفاع الجوي عملية استنزاف مالي وعسكري غير مستدامة.
ورغم التعتيم الإعلامي، فإن القصف الإيراني المستمر على القواعد الأمريكية في دول الخليج، والذي نجح في اختراق الدفاعات وضرب أهداف حساسة، يضع واشنطن أمام خيار مستحيل؛ فالمخزونات التي تكفي لعام كامل يمكن أن تنفد في يوم أو يومين من القتال الكثيف. وهذا النقص يجبر مخططو البنتاغون على تقليل حماية سماء الكيان المحتل لمحاولة تغطية قواعدهم ومصالحهم في الخليج، خاصة مع غياب الدعم العسكري الأوروبي في العمليات الحالية.
ومع مرور الأيام يتأكد للجميع أن تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني هو هدف غير واقعي، نظراً لأن إيران تمتلك آلاف المنصات المتحركة ومدناً صاروخية مدفونة على أعماق سحيقة يصعب استهدافها بالقنابل التقليدية. ومع انخفاض مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية إلى أدنى مستوياته، تظل قدرة إيران على إغراق المنطقة بالصواريخ والمسيرات الرخيصة هي العامل الحاسم الذي قد يجبر الإدارة الأمريكية على البحث عن اتفاق سريع، بعد أن أثبتت المواجهة العسكرية أن المظلة الصاروخية الأمريكية هي رهان هش أمام واقع الاستنزاف العسكري.
وتلك الحقائق تتناغم مع تحذيرات قادة البنتاغون من عدم واقعية تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني بالكامل، فالمساحات الشاسعة والمدن الصاروخية المحصنة تجعل من استمرار القصف الإيراني استنزافا لا تطيقه ميزانيات الدفاع ولا خطوط الإنتاج العسكري المتأخرة في واشنطن. وهذا الواقع الجديد يؤكد أن عصر السيادة المستندة إلى القواعد الأجنبية قد انهار تحت وطأة الصواريخ الإيرانية.
علاوةً على ذلك، فإن نجاح المنظومات الدفاعية مثل "باتريوت" أو "ثاد" في اعتراض الصواريخ الإيرانية فوق المدن الكبرى لا يعني انتهاء الخطر، بل هو بداية لكارثة مدنية صامتة؛ فعملية الاعتراض التي تتم في الغلاف الجوي أو الطبقات الدنيا منه تؤدي إلى تفتت الصاروخين (المهاجم والمعترض) إلى آلاف الشظايا المعدنية الحادة والحارقة التي تسقط بفعل الجاذبية على المناطق المأهولة. في مدن مثل دبي، الدوحة، والمنامة، حيث الكثافة السكانية العالية والمعمار الزجاجي الهش، فتتحول هذه الشظايا إلى مقذوفات قاتلة تخترق المنازل والسيارات والمرافق العامة، مما يجعل البقاء خارج الملاجئ المحصنة أمراً مستحيلاً حتى في حال "نجاح" الدفاع الجوي.
كما تمتد خطورة الشظايا لتشمل التلوث الكيميائي الناتج عن بقايا الوقود الصاروخي السام والمواد المتفجرة التي لم تحترق بالكامل في الجو. هذا الواقع حوّل شوارع الرفاهية ومراكز التسوق العالمية إلى مناطق أشباح، حيث أدرك السكان أن المظلة الصاروخية التي وعدتهم بالأمان قد تحولت إلى "سقف من الشظايا" يهدد حياتهم مع كل صافرة إنذار.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

