النموذج في موقع المسؤولية وغياب الاقتداء
عبدالحميد الغرباني*
تُتِيح المناسبات سوانحَ للتذكّر والتذكير، وشعبُنا العزيز -تحت ضوء هذا اليوم- يستذكر رجلَ المسؤولية، الرئيسَ الشهيد صالح علي الصماد، أنموذجَ المسيرة ورمزَها المعبّر عن التطابق الصُّلب بين المنهج النظري والمسلك العملي؛ يستعيد اليمن الصمادَ كقائدٍ فذٍّ أعاد للرئاسة وهجَها ودورَها، وكطرازٍ فريدٍ أثبتت سنواتُ رئاسته أن خدمةَ الشعب والأمة بروحيةٍ تجنّدت لله كليًّا هي الطريق إلى الزعامة الحقيقية في أوساط الشعب.
لكن ما يؤسف له، رغم ما شهدناه من احتفاء وزيارات، أننا لا نجدُ نموذجَه موجودًا في موقع القرار بمؤسّسات الدولة، مع أنه ترك بذرةً ناميةً قابلةً للتطور والاخضرار على تعاقب الفصول، لكن من قد يتحمَّل المسؤولية عن امتداد سيرها؟ أين نماذج الصماد في الوزارات، وكذا الهيئات والمؤسّسات؟ لقد شهدنا فعالياتٍ تُحيي ذكرى استشهاد الرئيس الصماد دون أن نشهدَ من يُبقون على كواهلهم أوجاعَ الشعب ومعاناته، ومن يصدرون عن الشعب وإليه، ومن يَعبرون به التحديات ويُصحِّحون به الأوضاع.
إن مَن لا يُسيطِر عليهم حِسُّ المسؤولية المتّقد يفرضون ذواتهم بشتى السبل على المؤسّسات الخدمية وغير الخدمية، أَو تلك التي تجبي وتجمع الأموال من جُهد وجهود المواطنين، ويغيب عنها نهجُ منفعتها وخدمتها وتخفيف الضغوط والهموم المعيشية عليه، كما لو أنه عدوٌّ لمسؤولي هذه الجهات والهيئات.
لا شك أن صعوبة المرحلة، وحرب الأعداء، وسيطرتهم بفعل الخونة والعملاء على أهم الموارد السيادية، تُقلل الوثوب وتحدّ من عوامل التجاوز، لكن يبقى المنظور واحدًا، وهو التحَرّك للمستقبل ومواجهة النقيض العنيد؛ لأننا نجد أصنافًا من المسؤولين هنا وهناك، وأسوأهم على الإطلاق أُولئك الذين يدّعون الإنجاز أَو يتظاهرون به دون أن يقدم أيٌّ منهم برهانًا على أثر عمله في وجه الواقع أَو في وجدان الناس؛ لأن الأهم من أي عمل هو ما يحقّقه ذلك العمل من تغيير في الظواهر أَو الحقائق في أرض الواقع.
ليست المسألة رفع دعاية الأعمال، وإنما ماذا حقّقت هذه الأعمال، وماذا غيّرت، وماذا جنى المواطنُ منها، وأين خفّفت عنه، وأين أعانته، وأين وأين... إلخ.
وإننا لَنعجب، في ظل غياب النماذج القيادية المسؤولة، أن نلاحظ أن أفرادًا كثيرين ينتقلون من وزارة إلى أُخرى، ومن جهة إلى جهة، كما يخرجون من غرفة إلى غرفة في منازلهم؛ فهل المسألة بحثٌ عن منفعة صَعُبَ الحصول عليها هنا وأمكن الحصول عليها هناك؟ أم إنها ملاحقةٌ وراء مصالح ومطاردة لغنائم لا يُفضل معها أن يتوقف الأمر على كرسي واحد؟ أم أن هذا التحَرّك النشط بين المؤسّسات يعود لعمق خبرات أصحابه وشواهد النجاح والكفاءة للمتنقلين على المناصب؟
كل هذا ممكن، ولكن آثاره الإيجابية لم تنعكس على الشعب.
ومن يدّعي بأنه حقّق ولم يحقّق، يقتنع بالوَهْم عن الحقيقة، كما أن من يقنع بالاعتراف بالتقصير لن يتخلَّصَ من عقدة الذنب إزاء شعب يكدح ويضرب ليلَ نهارَ لأجل اللقمة والماء والكهرباء، وكذا الصحة والتعليم والإيجار، وما أدراك ما الإيجار في بلد يفتقرُ لخطط الإسكان وتوفير المسكن.
مع أن المطلوب، فوق كُـلّ ذلك، أن لا يكون الاعترافُ بالتقصير من قبل هذا أَو ذاك سببًا في القصور، وإنما وسيلةً لبدء الجدية وتغيير الخطط والتكتيكات، والمسؤولين والمحافظين، وكذا الوكلاء والأعوان والمستشارين والمنتفعين والمقرّبين.
قد يكون هذا الطرح قاسيًا، لكنه ضرورة فرضتها معاناةٌ ماثلةٌ في كُـلّ تفصيل مذكور، عدا عن مظاهر متفشية للمحسوبية والوساطة والشللية أينما وليتَ وجهك، إلى درجةٍ ضربت معها مؤسّساتٍ جديدة، مثل الهيئة العامة للزكاة للأسف الشديد.
لذلك، وفي ذكرى صاحب الشعار الأثير: يدٌ تحمي ويدٌ تبني، نُذكّر أن المسؤوليةَ من بعده، كمثالٍ راقٍ، قد زادت ضخامةً، ولا بد من التقدم أكثر وأكثر في إحياء وبعث مؤسّسات الدولة وتحويلها للشعب، ولا بد أن تسيطرَ عَمَلانيةُ البناء والتغيير في كُـلّ مجال، وأن نرى من يوالون أنشطةً عبقريةً مُلهمةً تُنجز المطلوب للمجتمع وبه تباعًا، في الكهرباء والطاقة والتجارة والصناعة والنقل والزراعة والإدارة المحلية والمياه والصحة.
ولتحقيق ذلك، لا بد من تحقّق نهج الثورة والتغيير بقدرٍ كافٍ، كما أن التحديات أمامها متحقّقة تمامًا؛ وهذا ممكن لوفرة إمْكَانية البناء وزيادة إمْكَان القابلية للتغيير، وفقط يجب أن لا يدّعي البعض الوصول قبل السفر، والاجتياز قبل العبور.
والله من وراء القصد.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

