السياسية || محمد محسن الجوهري*

لا أعلم موضعًا يستفز الصهاينة أكثر من الحديث بإيجابية عن إيران ودورها في مجابهة مشروعهم التدميري، وهو أمر لا يزيد الأحرار في العالم إلا قناعةً بعدالة الدفاع عنها. وفي هذا الموقف تعبير طبيعي عن وعيٍ أخلاقي يتجسّد عمليًا في قوله تعالى: (ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كُتب لهم به عمل صالح). وقد كانت إيران، بما اختارته من طريق منذ انتصار ثورتها الإسلامية في فبراير 1979، عامل استفزاز دائم للصهاينة لأنها آثرت الوقوف في صف الحق ومجابهة الهيمنة بدل الارتهان لها.

وما يضاعف حدّة هذا الاستفزاز أن إيران قرنت خطابها السياسي بمواقف عملية أربكت الحسابات الصهيونية، وكسرت وهم التفوق المطلق الذي سعت "إسرائيل" إلى ترسيخه في وعي المنطقة. فمن فلسطين إلى لبنان، ظل هذا النهج حاضرًا بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا يخضع لتبدلات المزاج الدولي ولا لإملاءات القوى الكبرى، الأمر الذي جعل من إيران حالة استثنائية في محيطٍ اعتاد الانحناء أمام الضغوط، وجعل استهدافها إعلاميًا وسياسيًا انعكاسًا طبيعيًا لعجز الخصوم عن احتواء هذا المسار أو كسره.

وبما أن الغرب لا يستطيع أن ينال عسكرياً من أعدائه قبل أن يلحق بهم الهزيمة النفسية أولاً، فقد لجأ إلى إنفاق مليارات الدولارات على شيطنة الجمهورية الإسلامية وتصويرها عدوًا للعرب، في مخالفةٍ صارخة للواقع. ومن هنا فإن الدفاع عن إيران لا يقتصر على كونه موقفًا سياسيًا، بل يمثل ضربة موجعة للمشروع الصهيوني، إذ يقوّض روايته الإعلامية ويُربك خياره العسكري في آنٍ واحد. ومع صمود إيران وانتصارها، يبقى الأمل قائمًا بانتصار العرب واستعادة أرضهم المحتلة متى ما أحسنوا قراءة المعركة واختاروا التحالف الصحيح.

أما عن سلبيات إيران، فإن أسوأ دور للجمهورية الإسلامية هي ألا يكون لها دور، أما أن تكون خطرا على الأمة فهذا هو الزيف بذاته، فقد كانت منذ تأسيسها النصير الأول للمستضعفين في العالم وأولهم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة التي هي معيار الحق وشوكة الميزان، وقد رأينا كيف تكالب العرب على خيانة فلسطين والتطبيع مع الصهاينة، ويكفي إيران أنها على الأقل ليست من المهرولين إلى تلك الرذيلة.

وبالعودة إلى شيطنة إيران، فقد وظف الغرب كل طاقاته للنيل منها، وفي سبيل ذلك أنشأ المئات من الشبكات التلفزية التي تعمل ليل نهار ضد إيران، إضافة إلى شيوخ الوهابية وغيرهم من دعاة الإضلال الذين لا هم لهم سوى الإساءة للجمهورية الإسلامية بسبب عدائها المعلن للصهيونية العالمية، ولو أنها تراجعت عن نهجها لتراجعوا عن تكفيرها، كما فعل من قبل مع مصر قبل وبعد عبدالناصر.

وفي هزيمة إيران الهلاك المحتوم للعرب، وأولهم ممالك الخليج، فليس هناك أي سبب منطقي للإبقاء على أنظمتهم سوى الزج بهم في حربٍ بالوكالة ضد إيران، ولو تحقق لهم ذلك لتخلوا عن تلك الدكتاتوريات فالغرب خير من ينسى الجميل، وقد رأينا كيف باعوا نظام صدام رغم أنه خدم الغرب بحربه على إيران الثورة لثمان سنوات، وكان أحق الناس باحترام الصهيونية العالمية لو أنها ترعى الجميل، وهذا حال آل سعود وآل ثاني وغيرهم إذا انتهى دورهم.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب