سلطان الخوف لدى أنظمة الخليج
السياسية || محمد محسن الجوهري*
دول الخليج عموماً هي حديثة التأسيس ولا يتجاوز عمرها في الأغلب مائة عام، ولا تعبر مسمياتها عن شعوب وأوطان عريقة كاليمن والعراق ومصر، وإنما عن كيانات سياسية لا أصل لها في التاريخ، وهذا أوجد لديها عقداً كثيرة وأولها الخوف من التلاشي والزوال. وعلى هذه العقدة بالذات يراهن الغرب في إخضاعها جميعاً، على أن لكل دولة منها سلطانها الخاص في الخوف؛ فالإمارات تخشى من السعودية التي وقفت عقبة أمام استقلالها وتأسيسها وصادرت منها مساحات واسعة من الحقول النفطية، وكذلك حال قطر التي ترى فيها السعودية إمارة نجدية، فيما البحرين نفسها لا تزال تطالب باستعادة شبه الجزيرة القطرية من آل ثاني الذين احتلوا الأرض وأسقطوا حكم آل خليفة بدعم من الدولة السعودية الأولى.
وهذه العقد مجتمعة لم تحل دون تشارك الجميع في العداء للدول الأصيلة في المنطقة؛ فالسعودية لديها الكثير من العداء تجاه اليمن لأسباب كثيرة، أولها أن ثلث مساحة المملكة مأخوذة من اليمن، كما أن النفوذ الذي تتمتع به السعودية كان في السابق لليمن باعتبارها الكيان الأصيل في المنطقة الذي عرف الاستقرار لقرون عديدة، قبل أن يأتي الاستعمار الغربي الذي كان من نتائجه إضعاف القوى التقليدية وتأسيس دول بلا هوية ولا تاريخ، ومكنها من فرض هيمنة على سائر الأقطار العربية لصالح أعداء الأمة.
وبالعودة إلى الصراعات البينية في الخليج، فإن من أبرز دوافع الصراع السعودي – الإماراتي هو تذمر الأخيرة من هيمنة آل سعود على المنطقة ونجاحهم في مصادرة أراضٍ إماراتية بتواطؤ غربي، منها خور العديد وحقل الشيبة النفطي، وهذا ما دفع حكام أبوظبي إلى الذهاب بعيداً في العمالة على أمل موازنة الكفة مع آل سعود، وقد جنوا بذلك على دولتهم ومستقبلها؛ فالعمالة لأعداء الأمة لا تحمي البلاد وإنما تعجل بزوالها، وكان الأجدر بهم قراءة التاريخ وبناء دولة قوية حرة ومستقلة تراهن على نفسها في حماية نفسها.
ورغم الخلاف العلني بين قطر والسعودية، لا تزال الإمارات ترى في الطرفين كياناً واحداً ذي عقيدة شيطانية مشتركة، وعادةً ما تطلق أبوظبي عليهما تسمية "الحلف الوهابي" في إشارة إلى العداء الديني الذي تكنه الرياض والدوحة ضد أبناء المذهب المالكي في إمارات الساحل المتصالح. إلا أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالعقيدة الوهابية لم تكن أبداً عامل وحدة بين السعودية وقطر، فالأولى ترى بأنها أولى بملكية الأراضي القطرية الغنية بالثروات، خاصةً أن آل ثاني إنما وصلوا للحكم فيها كعمال لآل سعود في القرن الثامن عشر أثناء توسع الدولة الأولى لهم. وقد وقفت الوهابية سداً منيعاً أمام عبدالعزيز آل سعود عندما حاول ضمها مطلع القرن العشرين، بعد أن رفض رجاله ومشايخه غزو قطر بسبب التقارب المذهبي، فهم يرونها من زاوية مذهبية متعصبة تختلف عن نظرة الأطماع والمصالح لآل سعود.
وبعيداً عن قطر، فإن الكويت التي لجأ إليها آل سعود بعد سقوط دولتهم الثانية على يد آل رشيد منتصف القرن التاسع عشر، لم تسلم هي الأخرى من الجشع السعودي؛ حيث تطالب المملكة بضم خمسة آلاف كيلومتر مربع من المساحة الكويتية التي لا تتجاوز ثمانية عشر ألف كيلومتر مربع، ويشار إلى المناطق المتنازع عليها باسم "المناطق المقسومة"، وتعجز الكويت عن استثمار ثرواتها النفطية بسبب تهديدٍ سعودي.
إلا أن المستفيد الأول من هذه الخلافات هو العدو الصهيوني والغرب بشكلٍ عام، فقد وجدوا في مخاوف الأنظمة الخليجية الفرصة لبسط نفوذهم وهيمنهم عليها، ومن ثم تحويلها إلى ساحة لتهديد سائر الدول العربية وتجزئتها حتى لا تقف في وجه المشروع الصهيوني. ولذلك رأينا الدول الخليجية تقمع كل حركة معارضة وتعدم مواطنيها بدم بارد بعد أن أمنت أن المنظمات الأممية والحقوقية لن تحاسبها كما تحاسب غيرها من الدول العربية. ولسلطان الخوف هذا نهاية حتمية سينتهي معها الإذعان العربي للغرب، كما سينتهي معه الاحتلال الصهيوني لفلسطين العربية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

