فلسفة الكثرة والقلة في القرآن الكريم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في الثقافة المعاصرة، غالباً ما تُتخذ "الأكثرية" كمعيار نهائي للصواب، سواء في الأنظمة السياسية أو في توجهات الرأي العام الرقمي (التريند). لكن المتأمل في النص القرآني يجد رؤية مغايرة تماماً؛ حيث يُفكك القرآن الارتباط الشرطي بين "الضخامة العددية" و"الاستقامة الفكرية"، مؤسساً لمنهج يقدس الكيف على حساب الكم، ويجعل من الوعي الفردي حصناً ضد طغيان العقل الجمعي الغافل.
تبدأ ملامح هذه الفلسفة عند استقراء المواضع التي ذكر فيها القرآن لفظ "أكثرهم"؛ فالمفارقة الصادمة أن الغالبية العظمى من هذه المواضع جاءت في سياق النقد والتحذير. نجد القرآن يقرن الكثرة بغياب العلم (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، وبنقص العقل والتدبر (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ)، وبجحود النعمة والإعراض عن الحق. هذا التكرار هو تحذير منهجي للمؤمن والمفكر من الركون إلى "الجمهور" كمصدر للشرعية الفكرية؛ فالحق في الرؤية القرآنية يمتلك قوته من ذاته ومن البرهان المساند له، لا من عدد الأيدي المرفوعة تأييداً له.
وعلى هذا الأساس، يضعنا القرآن أمام مواجهة حتمية مع "سيكولوجية الحشد" التي تذيب وعي الفرد في بوتقة المجموع، محذراً من أن الانصياع لضغط الكثرة قد يضلل الإنسان عن الحقائق اليقينية، كما في قوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). وهذا لا يمثل دعوة للانعزال عن الناس، وإنما دعوة للاستقلال الفكري والمسؤولية الفردية؛ لكي لا يبرر المرء لنفسه السقوط الأخلاقي أو الفكري بذريعة "أن الجميع يفعل ذلك". فالقرآن يريد بناء إنسان "الأمة" الذي يمتلك شجاعة التمسك بالبرهان ولو كان وحيداً، مدركاً أن الميزان الإلهي لا يزن الناس بالكم المتراكم، بل بالكيف المتجلي في تقوى القلوب وإحسان العمل، ليبقى التساؤل القرآني الصادم (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) بمثابة صرخة مستمرة لكسر قيود التبعية العددية والانطلاق نحو فضاء الوعي الحر.
وعلى الضفة المقابلة، يرفع القرآن من شأن "القلة" الواعية الصامدة، ويجعلها صفة ملازمة لأهل الشكر والإيمان الحقيقي. فبينما تضج الكثرة بالاستكثار والتفاخر الذي يلهي عن الغايات الكبرى (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، نجد القلة هي التي تنجو في لحظات التمحيص التاريخية، كما في قوله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ). وهذا التوازن القرآني يهدف إلى غرس "الثبات النفسي" في الفرد، لئلا يستوحش طريق الحق لقلة السالكين، ولئلا يغتر بكثرة الهالكين أو المخطئين. فالكثرة بلا وعي هي "غثاء كغثاء السيل"، بينما القلة المؤمنة بمنهجها هي "الأمة" التي تستطيع تغيير مجرى التاريخ.
إن الدرس الأكبر الذي تقدمه هذه الفلسفة للعقل المعاصر هو التحرر من "فتنة الرقم". فالإنسان الذي يستمد قناعاته من قائمة "الأكثر مشاهدة" أو "الأكثر رواجاً" دون فحص ناقد، يسقط في فخ التبعية التي حذر منها القرآن. إنها دعوة للعودة إلى مركزية الدليل والبرهان، وتذكير دائم بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بموقعه داخل القطيع، بل بمدى قربه من الحق، وبقدرته على أن يكون "أحسن عملاً" في عالم يغرق في "أكثرية" لا تغني من الجوع المعرفي شيئاً.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

