هل "فرعون" اسم أم لقب؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في اللغة العربية إذا أردنا مخاطبة الشخص باسمه فإن الخطاب يكون مباشر كأن تقول: يا أحمد يا علي يا إبرهيم، ولكن إذا أردنا مخاطبة هذا الشخص بصفته فلا بد من إضافة كلمة "أيها" أمام الصفة، مثال: يا أيها الرئيس يا أيهم المدرس وهكذا.
وفي القرآن الكريم خاطب سيدنا موسى فرعون باسمه دونما إضافات فقال: ﴿وإني لأظنك يافرعون مثبورا ﴾ [الإسراء: 102، وهذا يؤكد أن فرعون اسم علم وليس لقباً يُطلق على ملوك مصر القديمة، ويتأكد هذا الفرق عند مقارنته بنداء حاكم مصر في عهد يوسف عليه السلام حين ناداه إخوته بلقبه قائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، فاستلزام "أيها" مع العزيز وسقوطها مع فرعون يحسم الجدل اللغوي لصالح اسمية الأخير.
علاوة على ذلك، تزخر الآيات القرآنية بشواهد أخرى تعزز هذا الطرح، ومنها اقتران اسم فرعون بأسماء أعلام أعجمية محققة في سياق العطف، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾، والقاعدة اللغوية تقتضي أن المعطوف يتجانس مع المعطوف عليه، فكما أن هامان وقارون اسمان علمان، فكذلك فرعون الذي يتوسطهما. كما تظهر دقة النص القرآني في نسبة الزوجية إليه كما في قوله تعالى: ﴿امرأت فرعون﴾، وهي إضافة تشبه تماماً قوله ﴿امرأت نوح﴾ و﴿امرأت لوط﴾، ولو كان فرعون منصباً سياسياً لجاء التعبير "امرأة الملك" أو "امرأة العزيز"، وهو التمييز الذي حافظ عليه القرآن بدقة مذهلة حين استخدم لقب "الملك" لوصف حاكم مصر في زمن يوسف، بينما خص فرعون باسمه الشخصي في زمن موسى.
أما من الناحية التاريخية والسياسية، فإن تعميم كلمة "فرعون" لتكون لقباً شاملاً ومنصباً لكل ملوك مصر هو تصور حديث نسبياً، لم يتجذر إلا مع نشاط حركة الاستشراق وبدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر في أواخر القرن التاسع عشر. لقد كان المستشرقون، ومن خلفهم الإدارة الاستعمارية، يسعون جاهدين لصياغة هوية مستقلة للشعب المصري، تعزله عن عمقه العربي والاسلامي وتاريخه الممتد كقلب نابض للمنطقة العربية. وفي سبيل تحقيق ذلك، تم استدعاء "النزعة الفرعونية" وتضخيمها أيديولوجياً، لتحويلها إلى هوية قومية بديلة، بل وإلى ما يشبه "الديانة الرسمية" التي تُقدس الماضي القديم على حساب الانتماء الراهن.
وقد لعب هذا التوجه الاستعماري دوراً كبيراً في محاولة "صناعة أمة" تبحث عن شرعيتها في القبور والآثار لا في الثقافة واللغة المشتركة؛ فتعميم اللقب كان يهدف لقطع الصلة مع الدقة القرآنية التي حصرت "فرعون" في شخصية واحدة، وتحويله بدلاً من ذلك إلى رمز جامع لكل ملوك مصر عبر العصور. هذا "التأميم" للمصطلح جعل من تاريخ مصر القديم كتلة صماء تُسمى "العصر الفرعوني"، وهو مصطلح لم يعرفه المصريون القدماء أنفسهم الذين كانوا يطلقون على حكامهم أسماءهم الشخصية وألقاباً ملكية متعددة مثل "نسو-بيتي" (ملك مصر العليا والسفلى).
إن هذا الإحياء المتعمد للهوية الفرعونية تحت رعاية الاستعمار كان أداة لخلخلة النسيج القومي وربط مصر بجذور ما قبل إسلامية وما قبل عربية، مما يسهل عملية السيطرة الثقافية وإضعاف فكرة التضامن الإقليمي. وبمرور الوقت، تكرست هذه المغالطة في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي، حتى أصبح يُنظر إلى "فرعون" بصفته وظيفة رسمية، رغم أن الحقائق اللغوية والقرآنية تضعه في إطار "العلمية" الشخصية، مما يكشف عن الهوة السحيقة بين الحقيقة التاريخية وبين الهوية المصنوعة في أروقة الدوائر الاستعمارية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

