السياسية || صلاح المقداد *

فيما كيان الإحتلال الصهيوني الغاصب في فلسطين، يُسابق الوقت والزمن ويخطو خطوات مُتسارعة ويتبعها بأخرى أكثر عملية وواقعية وجدية، لفرض واقع جديد على العالم والمنطقة، كما يمضي الكيان اللقيط قُدمًا غير آبِه بأحد لخلق ما يسميه ويُروج له منذ زمن "شرق أوسط جديد" تكون فيه "إسرائيل" هي الرائدة والسيدة والمُتحكمة بكل شيء في المنطقة، تجد العرب في المقابل دولاً وشعوبًا ونخبًا ومجتمعات يغطون في سبات عميق ويلزمون صمتًا مهينًا مُذلاً، وكأن ما صدر ويصدر عن قادة الإحتلال الصهيوني وداعموه بهذا الشأن والأمر الخطير لا يعنيهم لا من قريبٍ ولا من بعيد بأي حالٍ من الأحوال، ولا يمسهم بضرره البالغ على المدى القريب والبعيد .

ومن تل أبيب حاضرة الكيان الغاصب تتوالى تصريحات قادته المستفزة بكل صفاقة ووقاحة عن اعتزام حكومتهم العمل على إنشاء "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات، مما يعني احتلال أراضي دول عربية وإسلامية جديدة بل وابتلاع دول عربية بأكملها وضمها بالقوة إليها .

وقد شرعت حكومة الإحتلال منذ سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر 2024م وحتى الآن في ذلك من خلال احتلال أراض داخل سوريا ولبنان ، مع الإستمرار في التوسع في الإستيطان في الضفة الغربية الذي يأتي على حساب ما تبقى للفلسطينيين هناك من بيوت وأراضي ومصادرتها وإقامه مستوطنات مكانها .

وبالنظر إلى خريطة "إسرائيل الجديدة القديمة" التي يجري الحديث عنها والترويج لها بشكل كبير حاليًا ، فسنجد هذا الأمر على خطورته الكبيرة أمراً غير عادي ، وما تتضمنه خريطة "إسرائيل الكبرى" في الشرق الأوسط لا يندرج ضمن الأوهام والخزعبلات كما يتصور البعض ويتوهمون ، فالعدو الصهيوني جاد في تنفيذ مخططاته التي أعلن عنها دون أن يخشى أحد .
ومع اعتزام "إسرائيل" احتلال أراض جديدة في دول المنطقة وضمها إليها يفرض السؤال هنا نفسه : من سيخوض معركة الدفاع عن أرض وعرض وشرف المسلمين ؟! .

وحسب الخطط الإسرائيلية بالتوسع، فستضم إلى الكيان الغاصب ثلاث دول عربية بالكامل هي الأردن ولبنان والكويت، وأجزاء من المملكة العربية السعودية تشمل المناطق الشمالية الغربية، حيث تسعى "إسرائيل" لإنشاء ممر واسع على طول البحر الأحمر يصل إلى المدينة المنورة.

ويشمل مخطط التوسع الصهيوني ضم وإحتلال أجزاء كبيرة من سوريا من ضمنها العاصمة دمشق وهضبة الجولان ودرعا والسويداء، وصولاً إلى حدود الفرات، أما العراق فتعتزم "إسرائيل" ضم معظم المناطق الغربية منه والوصول إلى الخليج العربي.

كما تعتزم "إسرائيل" إحتلال جزيرة سيناء من مصر، وأجزاء من دلتا النيل الواقع شمال غرب العاصمة القاهرة، ومناطق على طول قناة السويس على البحر الأحمر ، كذلك تشمل خطة التوسع الإسرائيلية التي أعلن عنها مؤخراً إحتلال أجزاء من المناطق الجنوبية الشرقية في تركيا وضمها لـ"إسرائيل الكبرى" .

وعلى صعيد متصل صدر عن سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، اليهودي الأصل والصهيوني الهوى والمُعتقد (مايكل هاكبي) مُؤخراً تصريحات مُستفزة ووقحة تمس حقوق ووجود دول وشعوب عربية وإسلامية وتنال منها ومن سيادتها وكرامتها الوطنية .

وتضمنت تلك التصريحات المُستهجنة واللا مسؤولة ما يمكن إعتباره وعد بلفور أمريكي جديد لـ"إسرائيل" يسمح لها ويمنحها الضوء الأخضر والمباركة الأمريكية الضمنية بإحتلال أراضي جديدة وإقتطاعها من دول عربية مجاورة، وضمها لما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" الذي يجري الترويج لإقامتها حالياً على أعلى المستويات في أمريكا ودول الغرب، والإدعاء بأحقيتها الإلهية في احتلال ما تشاء من أراضي الغير.

وقال السفير الأمريكي لدى الكيان اللقيط في معرض تصريحاته الأخيرة : "إن الأردن ولبنان ومصر وسوريا والعراق والسعودية، هي أرض أعطاها الله لإسرائيل، لأن اليهود ( بحسب زعمه ) هُم "شعب الله المُختار" وإن من حق إسرائيل أن تستولي على هذه الأراضي لتكون (إسرائيل الكبرى) أو (مملكة الله) التي تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وأن هذه الدولة في حال توسعها على النحو الذي يسعى له اليهود تعتبر حق توراتي لهم" .

ويرى محللون أن تصريحات السفير هاكبي تعد خطوة لتنفيذ مشروع فرعون العصر (ترامب) لتصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب أن تلك التصريحات تمثل في الوقت نفسه تدشين وبداية مرحلة جديدة في إطار تنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، وهو مشروع ضخم يحظى بدعم غربي وأمريكي لا محدود ، وتسنده الحشود العسكرية الكبيرة الأمريكية التي لم تشهدها المنطقة العربية من قبل .

ويؤكد أكثر من محلل سياسي ومتابع لمجريات وتطورات الأحداث العاصفة بالمنطقة حاليًا والعسكرة المستمرة لكل شيء فيها من قبل أمريكا وحلفائها، أن العدوان الذي تنفذه أمريكا وإسرائيل لن يقتصر على جمهورية إيران الإسلامية ويكتفي بمهاجمتها فقط، بل سيطال جميع العرب والمسلمين في دول المنطقة، وسيتجاوز المُعلن عنه ليشمل العبث بخرائط جميع الدول العربية، لا سيما مع استمرار العدوان الصهيوني شبه اليومي على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وعلى لبنان وسوريا.

يشار إلى أن السفير الأمريكي الحالي لدى إسرائيل مايكل هاكبي ، هو مسيحي بروستانت ، ومعمداني صهيوني ، وكان حاكم سابق لولاية اركنساس الأمريكية، وأحد مرشحي الحزب الجمهوري للإنتخابات الأمريكية في عام 2008م ، ويحمل شهادة في الإلهيات وسبق أن عمل قسيسًا قبل دخوله معترك السياسية وتعيينه سفير في عهد الرئيس ترامب المتهم بجرائم أخلاقية ومنها الشذوذ الجنسي والذي سبق له التصريح والقول :"إن إسرائيل مساحتها صغيرة مقارنة بمساحة العالم العربي، وقد أعطيت الجولان الغنية بالموارد والمياه والتي تتجاوز التريليونات من الدولارات لإسرائيل".

والملاحظ أن الكيان الصهيوني لا تمضي في تنفيذ خطة إقامة "اسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات إلا في ظل دعم وإسناد ومباركة من حلفائها وداعميها الرئيسيين في الغرب والولايات المتحدة الذين أعطوها الضوء الأخضر بذلك وهم من يؤمنون بمزاعم أحقيتها التاريخية والدينية في السيطرة على الشرق الأوسط بأكمله .

ولا غرابة أن يطل علينا ما بين الفينة والأخرى المجرم الصهيوني النتن - ياهو ، عبر شاشات الفضائيات التلفزيونية والإخبارية، وهو يتحدث بكل صفاقة عن مساعي حكومته الحثيثة والحكومات الإسرائيلية التي ستأتي بعدها، لإعادة رسم خارطة المنطقة من جديد والشروع في بناء شرق أوسط جديد يشهد خلاله العالم بالتالي بناء وقيام "إسرائيل الكبرى" تنفيذاً حسب مزاعم اليهود لوعد الرب لهم في التوراة بوجود هذا الكيان وضرورة التسريع في إيجاده .

وعن خطوات التغيير المُرتقب لخارطة المنطقة يقول نتن ياهو صراحةً: "نحنُ نعمل على تغيير الشرق الأوسط والتاريخ، ويقصد الملعون بنحنُ هنا (حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي الصهيوني، ودول عربية وظيفية تتعاون مع الغرب والصهيونية وتؤدي ما أمرت به لم يسمها.

بيد أن "إسرائيل" منذ قيامها في عام 1948م وحتى اليوم، وهي تتبع لتنفيذ طموحاتها ومخططاتها التوسعية كل ما يتناسب بالضرورة جملة وتفصيلا مع المتغيرات الجيو سياسية في المنطقة وبما يخدم موازين القوى ومتغيراتها من دولة لأخرى لصالحها .

وفي وقت سابق من القرن العشرين المنصرم كشفت "إسرائيل" عن عدة خطط صهيونية لإعادة تقسيم ماتم تقسيمه من خلال اتفاقية / سايكس - بيكو في عام 1916م، وفي الوقت الراهن تواصل عدوانها المستمر على دول عربية مجاورة من بينها لبنان وسوريا وتنتهك وتستبيح سيادتها بشكل يومي ومتكرر، إلى جانب سعيها جاهدة بأكثر من وسيلة وطريقة لصنع الفتن العرقية والمذهبية والطائفية داخل المجتمعات العربية والإسلامية وتغذية الخلاف الشيعي - السني لصالحها وبما يسمح لها بالتدخل في الوقت المناسب وفرض ما تريده بسهولة ويسر .

ومما يجدر ذكره ضمن السياق أن باحثون صهاينة أقترحوا في عام 1982م على مراكز القرار في تل أبيب مقترحات وتصورات عدة بهدف تفكيك العالم العربي وتمزيقه وتعديل حدود كيانه بما يخدم غاية اليهود لإقامة "إسرائيل الكبرى"، وقد تصير هذه الكيان أمراً واقعًا مفروضاً على العرب والمسلمين مالم ينبهوا لخطر كهذا ويحولوا دون تحقيقه وحدوثه .

وفي أحدث تصريحات رئيس حكومة الإحتلال نتن ياهو يقول بلا حرج ولا تردد وبكل ثقة مما يقول : "حربنا ليست في قطاع غزة فقط، وسنغير خريطة الشرق الأوسط".

واعلن النتن أمام جمع من يهود العالم بأمريكا، ما وصفه بإنجازه الكبير في محاربة ما اسماه "الحلف الشيعي" في إشارة منه لمحور المقاومة والممانعة الذي تتزعمه إيران ويمثله حزب الله اللبناني وحركة حماس في غزة وجماعة أنصار الله في اليمن، وأن حكومة الكيان حاليًا بصدد بناء حلف جديد قوي لمواجهة ما سماه "الحلف السني" المزمع تشكيله والذي يضم دولاً إسلامية قوية من بينها : مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ونوه بتعاون الهند وتحالفها الوثيق مع "إسرائيل" في محاربة ذلك الحلف .

وفي الخلاصة يقول الكاتب السعودي المعروف داود الشريان عبر موقعه على منصة إكس ما مفاده اجمالاً : "رمي إسرائيل في البحر الذي أستخدم طويلاً كشعار عربي بات اليوم مقلوبًا" .

وأضاف الشريان :"إن سفير أمريكا لدى إسرائيل يتحدث عن حق تاريخي لها في استيلائها على الشرق الأوسط، فيما السيناتور ( ليندسي غراهام) يستحضر تدمير اليابان نموذجًا للحسم في غزة".

وبحسب الكاتب السعودي المذكور، بقي الشعار العربي إياه برمي إسرائيل في البحر، وتغير القائل.

ويمكن التأكيد على ما تقدم ذكره بالقول : بل وتغيرت اللعبة لصالح "إسرائيل" أكثر من أي وقتٍ مضى، مالم تتنبه صحوة ويقظة عربية إسلامية مشتركة لفرض معادلة جديدة وقوية تحفظ للعرب والمسلمين ولو على الأقل أدنى ما يمكن من الهيبة والكرامة والسيادة والعزة وحق الإستمرار في الوجود كما ينبغي أن يكونوا عليه، والقادم أدهى وأخطر بالنسبة لأمة تُطيل السبات وتضحك من جهلها وهوانها الأمم ! .

* المقال يعبر عن رأي الكاتب