السياسية || محمد محسن الجوهري*

هذا ما كشفته مؤخراً مجلة 'القوات الجوية والفضائية' (Air & Space Forces Magazine) الأمريكية، والتي رفعت الستار عن تقارير عسكرية ومقابلات حصرية ظلت طي الكتمان. تأتي هذه المكاشفات بالتزامن مع منح البنتاغون 'وسام النجم الفضي' لطيارين شاركا في عمليات فوق اليمن؛ وهو ما عُدَّ اختراقاً لجدار الصمت الرسمي الأمريكي حول حقيقة ما جرى في سماء البحر الأحمر، ليتحول التكريم العسكري إلى شهادة موثقة على فشل استخباري وتقني أمام دفاعات جوية وُصفت بالمرتجلة والمفاجئة.

في أروقة القوات الجوية الأمريكية، نادراً ما يُمنح "وسام النجم الفضي" Silver Star))، فهو ثالث أعلى وسام عسكري للشجاعة، ولم يحصل عليه سوى مائة طيار منذ تأسيس القوة عام 1947. لكن منح هذا الوسام مؤخراً لطيارين اثنين، هما المقدم "ويليام باركس" والرائد "مايكل بيليا"، وكان ذلك اعترافاً ضمنياً بواحدة من أخطر المواجهات الجوية التي خاضتها الولايات المتحدة في سماء اليمن، والتي ظلت تفاصيلها طي الكتمان حتى وقت قريب.

تعود أحداث الواقعة إلى ليلة 27 مارس 2025، حين انطلقت طائرات من طراز "F-16" لتأمين قاذفات "B-2 Spirit" الإستراتيجية في مهمة لضرب أهداف في اليمن. وبينما كان الطيارون يظنون أن المهمة انتهت بنجاح، تحول "الصياد الأمريكي" فجأة إلى "فريسة". في غضون 15 ثانية فقط، وجد الطيارون أنفسهم في مواجهة كمين صاروخي محكم لم ترصده أجهزة الاستشعار المتطورة. لقد اعتمدت الدفاعات اليمنية إستراتيجية "الكمين الصامت"، حيث أُطفأت الرادارات تماماً واعتمدوا على مراقبين بصريين ومستشعرات حرارية وكهروبصرية، مما جعل الطائرات الأمريكية "عمياء" تقنياً أمام التهديد القادم.

تكمن الخطورة فيما كشفته مجلة "القوات الجوية الأمريكية" عن ذهول القادة العسكريين من المدى الذي وصل إليه الدفاع الجوي اليمني. فقد نجحوا في دمج صواريخ أرض-جو موجهة مع أنظمة رصد بدائية لكنها فعالة، حالت دون التقاطها بواسطة أنظمة التحذير المبكر. يروي الطيار "باركس" لحظات الرعب قائلاً إن الصاروخ مرَّ بجانب جناحه بمسافة قريبة جداً لدرجة أنه سمع "هدير المحرك" داخل كابينة القيادة، بينما اضطر زميله "بيليا" للقيام بمناورة انتحارية لتفادي صاروخ آخر مرَّ على بعد أقدام فقط من مقدمة طائرته.

لم يتوقف الخطر عند الصواريخ الستة التي أُطلقت باتجاههم؛ بل امتد إلى "معركة الوقود". فالمناورات الحادة والمجهدة استهلكت مخزون الطاقة بسرعة هائلة، مما وضع الطيارين أمام خيارين أحلاهما مر: القفز بالمظلات فوق مناطق معادية أو السقوط في البحر الأحمر. هذا الوضع الحرج أجبر مركز العمليات الجوية على إقحام طائرات تزويد بالوقود داخل "منطقة الخطر" لإنقاذ الطيارين في عملية وصفت بالمروعة.

إن هذا الفشل الاستخباري والميداني لم يمر مرور الكرام في واشنطن. فبينما كانت "إسرائيل" تترقب ضربة قاصمة لليمنيين، كانت الإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار الاستنزاف الجوي أمام خصم يمتلك "تكنولوجيا غير مرئية" سيكلفها هيبة سلاحها الجوي.

ومن هنا، يمكن فهم السر وراء "الاتفاق السريع" والمفاجئ الذي عقده ترامب في مايو 2025؛ فقد أثبتت سماء اليمن أن التفوق التكنولوجي ليس ضماناً كافياً للانتصار، وأن "الواقعية السياسية" أحياناً ما تُفرض بقوة الصواريخ المرتجلة لا بالخطابات الدبلوماسية.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب