بعد الزلزال.. الدولة التي لا تسقط
مبارك حزام العسالي*
ظنّوا أن اغتيال القائد سيُسقط الدولة، وأن غياب الرمز سيُفكِّك المعادلة.. راهنوا على الصدمة، وعلى إرباك القرار، وعلى اهتزاز الجبهة الداخلية؛ فجاءهم الردُّ واقعًا صُلبًا: المؤسّسات تعمل، القرار يُتخذ، والردع قائم.
إيران ليست حالة فرد، بل بنية متماسكة امتدت جذورها في الأرض لعقود.
نظامٌ صاغ آلياته الدستورية، ورتّب هرم قيادته، وبنى عقيدتَه القتالية على مبدأ الاستمرارية لا الارتباط بالأشخاص.
لذلك لم يتحول الاستهداف إلى انهيار، بل إلى لحظة اصطفاف وتعزيز.
في الميدان، لم تتوقف البُوصلة.
غرف العمليات تعمل بانضباط، والقرار السياسي والعسكري يتحَرّكُ وفق حسابات دقيقة.
لم تُشلّ الإرادَة، ولم تُربك الضربة مسار الدولة.
الرسالة كانت واضحة: المعادلات تُدار بعقول مؤسّسات، لا بانفعالات اللحظة.
الرهان على الفوضى سقط.
الرهان على الانقسام الداخلي تبخر.
الذي حدث هو العكس تمامًا: تماسك أشد، وحضور أقوى، وإصرار أكبر على تثبيت معادلة الردع.
لم يكن الاغتيال حدثًا أمنيًّا فحسب، بل محاولة لكسر المعنويات وصناعة صورة انهيار سريع.
غير أن المشهد الداخلي أظهر تماسكًا مجتمعيًّا، واصطفافًا سياسيًّا، واستدعاءً لذاكرة الصمود الطويل في مواجهة الضغوط والحصار.
الرسائل التي خرجت من طهران كانت مدروسة: الدولة مُستمرّة، القيادة قائمة، والمؤسّسات تؤدي وظائفها دون ارتباك.
انتقال الصلاحيات يجري وفق أطر قانونية واضحة، والقرار الاستراتيجي لم يتبدل في ثوابته.
إقليميًّا، تبدد الرهان على أن الحلفاء سيتراجعون أَو يتخلون عن مواقعهم.
العكس هو ما برز في الخطاب والمواقف، حَيثُ طغت لغة الثبات والتضامن، ما يعزز صورة محور متماسك أمام محاولات التفكيك.
أما في حسابات الردع، فقد تكرّس أن استهداف القادة لا يُنهي الصراع، بل يرفعه إلى مستوى أعمق.
المعادلة لم تُكسر، بل أعيد تثبيتها على قاعدة أن الكلفة ستكون مضاعفة، وأن اليد التي تمتد ستدفع الثمن.
إنها لحظة اختبار كشفت الفارق بين دولة تُدار بمؤسّسات راسخة، وكيانات تعتمد على هشاشة الصورة الإعلامية.
ما بُني على عقيدة وهُوية وتنظيم لا يتهاوى بضربة، بل يتحول إلى طاقة تعبئة واستمرار.
ما بعد الاغتيال ليس كما قبله.. لأن الدولة خرجت من الاختبار أكثر تماسكًا، وأشد وضوحًا في خياراتها، وأقوى يقينًا بأن معركة الإرادَة تُحسم بالصمود الطويل لا بالمفاجآت العابرة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

