لماذا بعضُ أوروبا يتداعى للعدوان على إيران؟
عبدالحميد الغرباني*
تشهد منطقتنا معركةً مصيريةً في نتائجها، وهي للمفارقة تُلخِّص وتحتوي المعاركَ الأُخرى المؤجَّلة جميعًا، والمفترَضَ خوضُها منذ زمن من قبل العرب والمسلمين أنَّى كانوا، وأيًّا كانت انتماءاتهم المذهبية والسياسية،... إلخ.
إنها المعركة ضد الصهيونية، وضد تمكين كَيانها المزروع بالقوة في أرضنا من تمديد أذرعه نحو كُـلّ المنطقة، وإزالة أهم عائق يقفُ أمامه، وهو الثورةُ الإسلامية في إيران.
القوى الغربية الصليبية تتداعى لحسم المواجهة وإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية تحت عناوينَ عدة كاذبة، خاطئة، ملفَّقة، ومفضوحة، واستكبارية، ومجاراةُ أيٍّ من دول أمتنا لذلك عبر مواقفَ ميتة وخانعة أمرٌ خطير، وخطورتُه تكمن في كون المشروع اليهودي في المنطقة لا يُلغِي إيران وحدَها كدولة، بل يُلغي قبل ذلك العربَ ودولَهم ويُذِلّها ويُصادرها عمليًّا.
قد يكون مفهومًا أن يُصاب الحكام والأمراء من عرب أمريكا بالذعر من المعركة الراهنة، وأن يهربوا من وهج وزخم الرد الإيراني إلى مزيد من التبعية والارتباط بالبيت الأسود، لكن غير المفهوم وغير المبرّر وغير المقبول أن ينظرَ البعضُ لذلك تحتَ مبرّرات مكشوفة، كما تفعل "الجزيرة" وأخواتها المُضخِّمة لأعداء الأُمَّــة.
قيام محللي الإعلام الأصفر بربط الشراكة الأُورُوبية المعلَنة حتى الآن في العدوان على إيران بتوسيع الأخيرة دائرة الرد المشروع على استهداف قادتها وشعبها وسيادتها وأمنها القومي ووجودها، هو جزء من مغالَطة مفضوحة تغفلُ اصطفافَ هذه القوى الصليبية ضد أمتنا ومصالحها.
هذه القوى لم يُحرِّكها ارتفاعُ أسعار الطاقة واضطراب حركة الشحن والنقل البحري كما يُصوِّر البعض؛ فهذه نتيجة طبيعية بل حتمية لعسكرة مصادر الطاقة في الخليج، وتحويلها إلى مِنصة اعتداء وتجسُّس ورصد، ولكل ما هو عدائي يُحتَّم الردُّ عليه وإسكاتُه.
بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنضمُّ للعدوان؛ لأنها ترى القوة الأمريكية الإسرائيلية تهتز وترتعد؛ ولأن هذه الدول – كما هو موثق في وسائل إعلامها – تتلقى عشرات الطلبات بتقديم الدعم اللازم لوجستيًّا وهجوميًّا واستخباراتيًّا من قبل أمريكا والاحتلال الإسرائيلي.
توقف إمدَادات الطاقة ليس سبب احتشاد هذه القوى ضد طهران، وإنما هو الذريعة، والهدف ليس تأمين الطاقة، بل المشاركة في تحقيق هدف العدوان على إيران.
هذه الدول تأخّرت لتقول لترامب ونتنياهو إن مغامرتهما منفردين لحسم كُـلّ شيء مع إيران لن ينجح، كما أثبتت التجربةُ الراهنةُ المفتوحة، وبالتالي فإن بعضَ أنظمة القارة العجوز وجدت فرصةً مواتيةً للرد، ولو بشكل غير مباشر، على إذلال ترامب لها منذ إعادة انتخابه مجرمًا أولَ في أمريكا.
عدم قانونية العدوان الأمريكي الإسرائيلي ليس هو ما أخَّر انضمامَ هذه القوى الصليبية، تمامًا كما أن أمنَ واستقرار دول الخليج لا يعنيها.
ما يعنيها فقط هو ألّا يفشلَ الإسرائيلي والأمريكي، ولا بأس من حشد ذرائعَ سخيفة يتلهّى بها الأبواقُ هنا وهناك، وما أكثرَهم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

