السياسية || محمد محسن الجوهري*

يتجلى في السيرة النبوية أسلوب منهجي حكيم أتبعه النبي ﷺ لتوثيق المواقف الاستراتيجية وإبراز الفوارق الإيمانية بين أصحابه؛ ومن أشهر الشواهد التاريخية على ذلك ما حدث في "غزوة الخندق" عندما تجاوز الفارس عمرو بن عبد ود العامري الخندق متحدياً، فصاح في المسلمين طالباً المبارزة. وفي ذلك الموقف المهيب، عرض النبي ﷺ على أصحابه قائلاً: "من يبرز لعمرو وله الجنة؟"، فلم يستجب لهذا العرض إلا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. ومع ذلك، كرر النبي ﷺ النداء ثلاثاً، وفي كل مرة كان الصحابة يلازمون الصمت لما عُرف عن عمرو من القوة والشجاعة، بينما كان الإمام علي يقوم مبادراً ويقول: "أنا له يا رسول الله"، فيأمره النبي بالجلوس، حتى كانت الثالثة فأذن له بالبروز.

إن تكرار النبي ﷺ لهذا النداء لم يكن إجراءً عفوياً، بل كان خطوة توثيقية مقصودة؛ لإبراز حجم الحدث وعظمة الموقف، ودفعاً لأي ادعاءات مستقبلية قد تقلل من شأن هذه المواجهة أو تزعم أن عمرو بن عبد ود كان خصماً سهلاً يمكن لأي شخص النيل منه. لقد أراد النبي ﷺ أن يسجل التاريخ التفوق الإيماني والشجاعة المطلقة للإمام علي عليه السلام أمام صمت وخوف الجميع، ليكون الحدث فارقاً وواضحاً للأمة في معرفة فضل الإمام ورجولته.

هذا الأسلوب النبوي التوثيقي تكرر بحذافيره في "فتح خيبر"؛ فبعد أن بعث النبي ﷺ بأبي بكر بالراية لفتح الحصن فعاد دون توفيق، ثم بعث في اليوم التالي بعمر بن الخطاب فعاد كذلك دون أن يحدث فتحاً، أراد النبي ﷺ أن يوضح للأمة حقيقة القدرات العسكرية والقيادية للرجلين، لا سيما وأنهما لم يُعرف عنهما خوض الحروب أو تولي جبهات القتال والمبارزة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، بل كانا من عامة الناس وبسطائهم في المواجهات العسكرية.

لقد أراد النبي ﷺ توثيق هذا الإخفاق ليعلم الجميع حقيقة الوقائع، خصوصاً وأنه كان يعلم بالغيب أن التاريخ اللاحق سينسب لهما بطولات وانتصارات لم تكن من شيمهم أو أفعالهم في الميدان، فأقام الحجة بالدليل العملي قبل أن يعلن مقولته الشهيرة: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، يفتح الله على يديه"، فدفعها للإمام علي الذي حقق الفتح.

وتكمن أهمية هذه الأحداث وتوثيقها في صناعة "القدوات الاستراتيجية" للأمة؛ فالأمم والشعوب تحتاج دائماً إلى نماذج بطولية حقيقية تستلهم منها معاني الشجاعة والثبات ومواجهة الأعداء. ولكن، عندما تُقدم للأمة قدوات تاريخية عُرف عنها التراجع والفرار في المنعطفات الحسمية، ولم تُسل سيوفها إلا على المستضعفين من أبناء الأمة، فإن النتيجة الحتمية هي ما نعيشه اليوم من وهن واستضعاف وانقياد خلف أنظمة استبدادية مهزومة تسارع إلى التطبيع والارتماء في أحضان العدو الإسرائيلي، بينما تسوم شعوبها الخسف والتنكيل. ولو أن الأمة اقتدت بالإرساء الشجاع للإمام علي لكانت أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين.

إن هذا التوثيق النبوي لا ينطلق من باب النقد الشخصي، بل من باب تبيان الحقائق الشاخصة التي أوضحها رسول الله ﷺ للأمة لكي تميز بين "رجال الميدان" وبين من دونهم، حتى لا تقع في شرك الاستعباد. وهذا المسار يعيد إلى الذاكرة كيف تعامل القرآن الكريم مع "أصحاب موسى"؛ حيث كشف زيف الادعاءات التي حاولت تصوير بني إسرائيل كأهل فضل وشرف مطلق، مبيناً أنهم كانوا مصدر تعب وإرهاق لنبيهم بمطالبهم واشتراطاتهم ونقضهم للعهود، حتى صار بنو إسرائيل اليوم على سيرة أولئك المنقلبين وليس على سيرة موسى عليه السلام.

والحال ذاته ينطبق على أصحاب رسول الله ﷺ، الذي خاطبهم محذراً في حياته ومستشرفاً للمستقبل بقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة"، وهو ما تحقق فعلياً بعد رحيله؛ فعلى الرغم من سماعهم للوصية النبوية الصريحة في غدير خم: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، إلا أنهم سلكوا ذات المسار الذي سلكه بنو إسرائيل عندما استخلف موسى هارون قائلاً له: "اخلفني في قومي وأصلح"، فخالفوا الوصية وانقلبوا على الأعقاب، لتكون النتيجة التاريخية والواقعية هي هذا التشتت والانحراف الذي تشهده الأمة اليوم جراء ترك القدوات الحقيقية والتمسك بالنماذج التبريرية المناهضة لجوهر الرسالة.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب