السياسية:

ينعقد منتدى جاكسون هول للبنوك المركزية والسياسة النقدية في الولايات المتحدة الخميس المقبل، والذي يضع الكثير من الأسئلة أمام صناع السياسة النقدية على مستوى العالم ويجعلهم في مواجهة منتقدي قراراتهم وإجراءاتهم وجها لوجه في مكان واحد.

وكان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول قد أكد في نسخة المنتدى العالمي العام الماضي أن العوامل التي تقف وراء الارتفاعات الحادة في معدل التضخم عوامل “انتقالية”، وهي التصريحات التي أدلى بها عندما كان معدل التضخم الأمريكي عند مستوى 5.00 في المئة.

لكن القراءات الأحدث لمؤشرات التضخم تشير إلى ارتفاعه بنسبة 8.5 في المئة في الولايات المتحدة، و 8.9 في الاتحاد الأوروبي وسط توقعات أصدرتها سيتي غروب أشارت إلى إمكانية ارتفاع التضخم البريطاني في نهاية العام الجاري بنسبة 18.6 في المئة، مما يشير إلى أكثر من تسعة أضعاف هدف التضخم المحدد من جانب بنك إنجلترا.

وترتفع معدلات الفائدة في دول الاقتصادات الرئيسية في الوقت الحالي بهدف مكافحة تلك الزيادة الهائلة في الضغوط التضخمية، وهو ما يجعل صناع السياسة النقدية في حاجة إلى قضاء وقت طويل في رحلة للبحث عن الذات في إطار مساعي تستهدف التعرف على ما إذا كانوا قادرين على السيطرة على التضخم أم لا.

ويلجأ أغلب السياسيين في الوقت الحالي إلى انتقاد البنوك المركزية وإجراءاتها التي تستهدف التصدي للتضخم، من بينهم المرشحة الأوفر حظا لرئاسة الوزراء في بريطانيا ليز تراس التي وجهت انتقادات عدة لبنك إنجلترا، وأستراليا وبدأت بالفعل مراجعات لإجراءات البنوك المركزية.

وهنا تظهر مخاوف حيال إمكانية إلحاق المزيد من الأضرار بسمعة البنوك المركزية التي تضررت بالفعل بسبب الأزمة الاقتصادية الحالية، كما يخشى أيضا أن تُمس استقلالية السلطات النقدية بينما أُثبت التاريخ أن السياسيين والحكومات لا يمكن ائتمانهم على السياسة النقدية وأنه لابد من أن تكون البنوك المركزية هي المسؤولة عنها.

ورجح مقال الفايننشال تايمز أنه ليس من العدل أن تتحمل البنوك المركزية وحدها مسؤولية انفجار الأسعار حول العالم لأن أغلب العوامل التي أسهمت في تلك الارتفاعات الحادة كانت خارجة عن سيطرة السلطات النقدية. فهناك اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن انتشار الوباء والحرب التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا من بين أهم العوامل التي لا تزال تتسبب في ارتفاعات كبيرة في الأسعار وزيادات كبيرة في الضغوط التضخمية حول العالم.

على الرغم من ذلك، ينبغي على البنوك المركزية أن تسعى إلى استغلال جميع الأدوات التي في أيديها من أجل وقف الارتفاعات في معدلات التضخم واستعادة استقرار الأسعار. ومن المرجح أن جاكسون هول سوف يكون فرصة أمام البنوك المركزية الرئيسية لمراجعة نماذجها، ومنهجيتها، وفلسفتها من أجل التوصل إلى الاستغلال الأمثل للأدوات التي من شأنها إخضاع التضخم لسيطرة.

ويضيف كاتب المقال أن السنوات القليلة الماضية كشفت حقائق لابد من أن تتكيف معها السلطات النقدية؛ والتي تتضمن أن النماذج التقليدية للاقتصادات، التي تتبعها البنوك المركزية، قد تغيرت وأثرت فيها عوامل جديدة تتعلق بالصحة العامة ومدى استقرار سلاسل التوريد. كما أثبتت الفترة الماضية أن إصدار توجيهات مستقبلية من جانب البنوك المركزية أصبح مشكوكا في مدى جدواه.

كما ألقت المستجدات الأخيرة الضوء على عدم فاعلية اتباع الاتجاهات التاريخية للتضخم وما يمكن أن توفره من صورة للحركة المستقبلية، مما يجعل من الضروري أن تدرس البنوك المركزية خصوصيات الاتجاه الراهنة والمستقبلية لضغوط الأسعار.

ويخلص إلى أنه البنك الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أدخلا بالفعل تعديلات على الاستراتيجيات المتبعة فيهما أثناء فترة الوباء، مما جعلهما أكثر تسامحا مع ارتفاعات التضخم. كما يبذل البنكان المركزيان جهودا واضحة في سبيل استعادة الثقة.

المصدر: بي بي سي