السعودية التي نكره
السياسية || محمد محسن الجوهري*
مؤخراً شهدت الساحة الخليجية تصعيداً جديداً تمثل في مقالٍ سعودي نشرته صحيفة "الجزيرة" السعودية، للكاتب أحمد بن عثمان التويجري، تضمن سلسلة من الاتهامات المباشرة لدولة الإمارات بالوقوف خلف مؤامرات كثيرة لتفكيك الأمة الإسلامية، وقد لاقى المقال ردود فعل كثيرة لدرجة أن اضطرت معها المملكة إلى حذفه قبل أن تعيد نشره مجدداً لأسباب لا نعلمها.
إلا أن الأهم هو صيغة المقال الذي قدم الإمارات بأنها حصان طروادة بالنسبة للمشروع الصهيوني، ومن خلالها استطاع الكيان ضرب الأمة العربية من الداخل، كما اتهم حكامها بالحقد والغيرة من المملكة ومكانتها المرموقة بين دول العالم ما دفع خصومهم في الإمارات إلى محاولة المنافسة على الهيمنة الإقليمية.
كما لم يغفل المقال الحديث عن تأسيس دولة الإمارات وكيف الملك فيصل في إنجازه عبر إقناع الغرب أولاً في منح إمارات ساحل عمان الاستقلال من التبعية البريطانية، ثم إقناع شاه إيران، محمد رضا بهلوي، بالقبول بتأسيس اتحاد عربي في ساحل عمان، وهو ما يؤكد مستوى الهيمنة الإيرانية آنذاك على دول الخليج، وأن الإمارات ثمرة من ثمار الحكم الفارسي للمنطقة قبل سقوط تلك الإمبراطورية على يد الثورة الإٍسلامية بقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه.
أما عن حديث السعودية عن عمالة الإمارات للصهيونية، فهذه سيئة من سيئات المملكة نفسها، فهي الحامي الأول للكيان منذ تأسيسه، وإذا كانت عمالة الإمارات بدأت بوصول محمد بن زايد إلى السلطة، فإن عمالة السعودية قديم قدم الدولة نفسها، كما أن عمالة الإمارات قد تنتهي بانتهاء محمد بن زايد فيما خيانة آل سعود قائمة حتى سقوط الأسرة من الحكم بشكلٍ كلي.
وحول التصعيد الأخير بين الطرفين، عزا كاتب المقال ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها تسريبات ويكيليكس في نوفمبر 2010، والتي نقلت عن محمد بن زايد، (ولي عهد أبوظبي في ذلك الحين)، قوله في 31 يوليو 2006: إن «الإمارات خاضت حروباً ضد السعوديين بلغت 57 معركة ضد السعودية، وإن خلافات الماضي الطويلة لا تزال تلقي بظلالها على الحاضر بين الإمارات والسعودية».
وللعلم فإن السعودية اجتزأت مناطق واسعة من الإمارات، منها حقل الشيبة، مقابل أن تعترف بالدولة الوليدة، وتم لها ذلك بضوء أخضر من شاه إيران الذي احتل بدوره الجزر الإماراتية الثلاث، وكان ذلك قبل إعلان تأسيس الاتحاد الإماراتي، أي عملياً الاحتلال لم يشمل أراضٍ إماراتية وإنما مناطق تابعة لساحل عمان.
وبالعودة للمقال، فقد أورد كاتب المقال أن السبب الثاني لعداء الإمارات للسعودية يكمن في الحسد والغيرة الشديدة اللذان تشعر بهما أبوظبي دون بقية الإمارات تجاه المملكة العربية السعودية؛ للمكانة الرفيعة التي تحتلها ليس لدى المسلمين فحسب، وإنما على مستوى جميع دول العالم، بحسب الكاتب، كذلك إلى سحب محمد بن سلمان الاستثمارات السعودية من الإمارات ضمن رؤية 2030.
أمّا السبب الثالث، وهو الأهم، فقد اتهم الكاتب السعودي التويجري الإمارات بالارتماء في أحضان الصهيونية للاستقواء على المملكة والثأر لأحقاد الماضي وشفاء حالة الغيرة والشعور بالدونية معتبراً ذلك خيانة لله ورسوله وللأمة بأسرها! مؤكداً أن نتاج غباء وقصر نظر! فإسرائيل في طريقها إلى الزوال السريع، والأمة باقية بإذن الله.
وهذا الرد ينطبق على السعودية نفسها، فالإمارات، بحسب الكاتب، إنما ارتمت في أحضان الصهيونية لتقارع النفوذ السعودي، وهذه حقيقة، لكن مصدر النفوذ السعودي هو العمالة المطلقة للغرب وللبيت الأبيض، فالسعودية، قبل الإمارات، كانت خنجراً في خاصرة الأمة وعدو لكل أعداء إسرائيل، والساحة العربية تشهد بذلك من غزة إلى جنوب لبنان وحتى إيران واليمن، وحتى مصر قبل التطبيع، فكل من يعادي الصهاينة تعاديه السعودية وتحرض على تدميره وضربه من الداخل.
وفي إطار الاتهامات بالتصهين، أكد التويجري أن الإمارات مكنت الصهاينة من كل المناطق التي تحتلها في العالم الإسلامي ومنها المخا اليمنية، وهذا تأكيد على خطاب صنعاء الذي يؤكد أن تحالف العدوان واحتلال الساحل الغربي إنما تم لخدمة الأجندات الصهيونية، ولو كانت السعودية ضد احتلال الصهاينة لليمن فلماذا شنت العدوان الغاشم عليه منذ أكثر من عشرة أعوام وتسببت، إلى جانب الإمارات، في تدمير البلاد وخلق أكبر أزمة إنسانية في العالم قبل أحداث غزة الأخيرة.
وبالحديث عن غزة، فقد اتهم المقال أبوظبي بالمشاركة في العدوان الصهيوني على القطاع، بما في ذلك دعم التجسس على قوى المقاومة من خلال الهلال الأحمر الإماراتي، ومن خلال تزويد الصهاينة بمواقع إطلاق صواريخ المقاومة وتجمعاتها، وتهيئة عدد من القواعد العسكرية الإماراتية لخدمة العمليات الإسرائيلية في غزة، بما فيها مواقع عسكرية في اليمن وإريتريا والصومال بما في ذلك المخا وعصب وبربرة وباسا كمنصات رئيسية لتزويد إسرائيل بالعتاد والذخائر والمعلومات الاستخباراتية.
وكل ذلك للأسف صحيح، ولكنه يغفل الجانب السعودي من المؤامرة، وما فعلته الإمارات في غزة فعلته المملكة في لبنان لخدمة العدو نفسه، ويكفي أن الإعلام السعودي، كما الإعلام الإماراتي، احتفلا في كل مرحلة يستشهد فيها قائد من قادة الجهاد والمقاومة، سواءً في غزة أو لبنان، وكذلك مول الطرفان العدوان الصهيوني على إيران واليمن، ولا يزال مسلسل الفضائح مستمر بين الطرفين، وقريباً ستتكشف المزيد من الحقائق والمؤامرات.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

