السياسية || محمد محسن الجوهري*

في الخطاب الرسمي يُقدَّم كيان "المملكة العربية السعودية" بوصفه وطنًا مكتمل الأركان، غير أن قراءة تاريخ نشأته ومسار تشكّله تكشف واقعًا مختلفًا: نحن أمام نظامٍ سياسي توسّعي نجح، خلال القرن العشرين، في جمع أقاليم وبلدان متباينة بالقوة العسكرية والتحالفات القسرية، ثم صاغ لها هوية واحدة مفروضة من الأعلى، لا نتيجة تعاقدٍ حرّ بين السكان.

لم تتكوّن السعودية عبر مسارٍ طبيعي شبيه بتطوّر الأوطان الحديثة، بل عبر مشروع عسكري–سياسي قاده آل سعود انطلاقًا من نجد، مستندًا إلى القوة المسلحة والعقيدة الوهابية كأداة تعبئة وضبط. نجد نفسها لم تكن "وطنًا سعوديًا" بالمعنى الحالي، بل مجال نفوذ قبلي وسياسي متقلّب، شهد صراعات داخلية حادة قبل أن تُحسم لمصلحة أسرة واحدة احتكرت السلطة وعرّفت نفسها بوصفها الدولة.

أما الحجاز، بمدنه المقدسة وتاريخه السياسي والاجتماعي الخاص، فقد كان كيانًا مختلفًا جذريًا. خضع الحجاز لسلطة الأشراف قرونًا طويلة، وتمتع بهوية مدنية منفتحة بحكم موقعه الديني والتجاري. ضمّه آل سعود في عشرينيات القرن الماضي بالقوة العسكرية بعد إسقاط حكم الأشراف، ثم جرى تفكيك نُخبه السياسية، وتهميش خصوصيته الثقافية، وإلحاقه إداريًا بنظامٍ نجديّ الطابع، مع فرض سردية جديدة تُذيب تاريخ الحجاز في رواية "التوحيد".

في الشرق، كانت الأحساء والقطيف فضاءً تاريخيًا واقتصاديًا مختلفًا، مرتبطًا بالخليج أكثر من ارتباطه بنجد، وله تركيب مذهبي واجتماعي مغاير. ضُمّت هذه المناطق بالقوة في بدايات القرن العشرين، ثم أُديرت بوصفها هامشًا اقتصاديًا يُستثمر نفطه، لا شريكًا متكافئًا في القرار. فُرضت هوية رسمية تتجاهل هذا التنوّع، وتُضيّق على أي تعبير ثقافي أو مذهبي خارج القالب المعتمد.

وفي الجنوب، تمثل عسير ونجران وجيزان مثالًا أوضح على الطابع القسري للاتحاد. كانت عسير كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته، له أمراؤه وتقاليده، ولم تكن جزءًا من المشروع النجدي. دخلها آل سعود عبر الحملات العسكرية والاتفاقات المفروضة، ثم جرى إخضاعها إداريًا وأمنيًا، مع التعامل معها كمناطق "طرفية" تحتاج إلى الضبط أكثر من التنمية. نجران وجيزان، بامتداداتهما الاجتماعية والتاريخية المختلفة، خضعتا للمسار ذاته، حيث غابت إرادة السكان عن تقرير مصيرهم، وحضر منطق الغلبة وحده.

حتى حائل، عاصمة إمارة آل رشيد، كانت دولة قائمة تنازع آل سعود على النفوذ في نجد نفسها. سقوطها لم يكن توحيدًا بين متكافئين، بل تصفيةً سياسية وعسكرية لخصم، ثم إعادة كتابة التاريخ بما يجعل من المنتصر "مؤسس الوطن"، ومن المهزوم صفحة منسية.

بعد هذا التوسع القسري، لم يكتفِ النظام بضمّ الأراضي، بل انتقل إلى مرحلة أخطر: فرض هوية واحدة على جميع السكان. جرى تقديم "السعودية" كهويّة جامعة أبدية، بينما هي في الحقيقة هوية سياسية حديثة العهد، فُرضت عبر التعليم والإعلام والأمن، مع تجريم أي سرديات بديلة أو انتماءات محلية. أُعيد تعريف التاريخ، وأُقصيت الخصوصيات، وصار الولاء للأسرة الحاكمة مرادفًا للوطنية، ومن يشكّك في هذه المعادلة يُتّهم بالانفصال أو الخيانة.

بهذا المعنى، تبدو السعودية نظامًا سياسيًا قبل أن تكون وطنًا. وطنٌ يُفترض أن يقوم على رضا مواطنيه وتعاقدهم الحرّ، وعلى الاعتراف بتعدّدهم وحقهم في تعريف أنفسهم. أما ما نشأ في الجزيرة العربية تحت راية آل سعود، فهو اتحاد فُرض بالسيف، وحُفظ بالقوة، وتُدار هويته بمنطق السلطة لا بمنطق الشراكة. والتمييز بين "النظام" و"الوطن" هنا ليس ترفًا فكريًا، بل مدخلٌ لفهم أزمات الشرعية والهوية التي ما زالت تطفو على السطح كلما أُتيح للسكان أن يعبّروا عن ذاكرتهم وتاريخهم الحقيقيين.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب