القضية اليمنية أولا وأخيراً
صلاح المقداد*
حتى مع إقرارنا وتسليمنا طوعًا بحقيقة وجود قضايا ومطالب حقوقية خاصة وعامة، ووجود مظالم وتجاوزات عديدة ومتشعبة من قبل الجانب الحكومي في اليمن ترسخت على مدى عقود طويلة من الزمن، واشتدت وطأتها فترة بعد أخرى حتى أثقلت كاهل المواطن اليمني المغلوب على أمره سواءً في الشمال أو في الجنوب،
إلا أننا في المقابل سنجد أنه لا معنى لأي حديث أو طرحٍ حماسي مسيّس يهيّج ويؤجج مشاعر العامة من قبل هذا الطرف أو ذاك، ولا أهمية أو حتى مشروعية لأي كفاح أو نضال أو حراك سياسي هنا أو هناك من أجل مظلوميات محددة وانتقائية معينة تخدم أصحابها وتخص قضايا مناطق وأشخاص معينين تحركهم في الأساس مصالح وأجندات سياسية واجتماعية قاصرة، وتقف وراء مشاريعهم الشخصية والأنانية الضيقة التي تتمحور حولهم وتختزل الوطن، كل الوطن وجميع أبنائه، فيهم فقط لا غير.
كذلك لا شيء يعنينا من كل ما نراه أو سمعنا عنه بذلك الخصوص والشأن القاصر والمقتضب على بعض القضايا والإشكاليات المزمنة، ما لم تكن اليمن قاطبة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها هي القضية والمحور والمحك والاهتمام الأول والرئيس عند الكل، والحاضر الوحيد في ظل غياب الجميع عنها وعن ما يهمها بكل مسمياتهم وصفاتهم.
ولا يختلف اثنان على ضرورة وجوب أن تكون اليمن الوطن الجامع الذي يتسع لكل أبنائه، هي قضية الجميع بلا استثناء، بل وقضية القضايا التي يجمع كل اليمنيين حولها وعليها ويقدمون من أجلها كل التضحيات والتنازلات ويقفون معًا على كلمة سواء توحدهم بشأنها ومن أجلها، وهي بالفعل تستحق منهم أن يضحوا ويبذلوا الغالي والنفيس من أجل أن تظل عزيزة رفيعة الشأن مظفورة السيادة والكرامة.
وفيما يتعلق بالترويج المسيّس لما يسمى (القضية الجنوبية) على سبيل المثال لا الحصر، فإذا رجعنا إلى ما تضمنته المادة الأولى من دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الصادر عام 1970م، فسنجدها قد نصت صراحةً على أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هذه "جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة، وتسعى لتحقيق اليمن الديمقراطي الموحد"، فيما نصت المادة (2) من نفس الدستور على أن "الشعب اليمني شعب واحد، وهو جزء من الأمة العربية، والجنسية اليمنية واحدة"، كما أكد الدستور الصادر عام 1978م لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقًا على نفس ما جاء في دستور عام 1970م بأن الشعب اليمني شعب واحد، وهو جزء من الأمة العربية وأن الجنسية اليمنية واحدة، وهذا يعني أن اليمن وحدة تاريخية واقتصادية وجغرافية واحدة، الأمر الذي ينفي أحقية أصحاب الطرح لما يسمى اليوم (القضية الجنوبية)، باعتبار طرح مناطقي وفئوي كهذا ينزع للانفصال وتجزئة الوطن الواحد، لا يخدم في جوهره سوى دائرة ضيقة من النخب السياسية والاجتماعية الفاسدة التي تجد في مثل هذا الخطاب المصلحي ما يمكن تسميته واعتباره "مورداً للتكسب السياسي والمادي"، وما يسمى بحكومة الشرعية ومجلس عيدروس الزبيدي الانتقالي الجنوبي المنحل شاهدًا حيًا ونموذجًا سيئًا لشكل من أشكال الوصولية والتنطع والنضال الزائف والكاذب من أجل الوطن والمواطن.
وعند هذه النقطة بالتحديد أجدني هنا متفقًا مع أصحاب الرأي القائل: "إن عامة الناس الذين استُدرجوا بأوهام الرفاه والثراء عبر خطاب الانفصال في الجنوب استنادًا إلى محدودية عدد السكان مقابل الثروة النفطية فيه، قد جرى دفعهم إلى تصور ساذج وفرضيات غير دقيقة، تتجاهل أن الثروات الطبيعية ليست حكرًا على الجنوب، والنفط ذاته مورد ناضب لا يمكن أن يكون وحده أساسًا لمشروع بناء دولة قابلة للحياة، وإن الازدهار الاقتصادي لا يتأتى عبر تفكيك الدولة، بل ببناء دولة يمنية كبيرة واحدة بطاقات بشرية متنوعة، واستقرار سياسي وعدالة اجتماعية في إطار دولة مدنية ديمقراطية مؤسسية عادلة، تحظى برضا مواطنيها جميعًا، وقادرة على حراسة مكتسباتهم".
وبحسب أصحاب الطرح السابق الأقرب إلى الواقعية والمصداقية والمنسجم مع جملة الثوابت الوطنية المتعارف عليها، فإنه في ظل بؤس الواقع وتفشي المظالم، فإن استمرار الترويج لمصطلح "القضية الجنوبية" قد خلق مظلومية وهمية ولدت شعورًا جمعيًا بالغبن لدى البسطاء والدهماء من عامة الناس في المناطق الجنوبية لا يمكن تجاهله، وهو الذي يفسر استدعاء الهوية الجهوية للحل الموهوم لقضية الجنوب المزعومة، وله نتائج كارثية خطيرة من بينها: إهدار الطاقات والمقدرات الوطنية في معالجة قضية لا وجود أساسًا لها إلا في مخيلة وعقول من اخترعوها واختلقوها ومن يروجون لها لأغراض في أنفسهم المريضة.
بيد أن الأخطر من كل ذلك أن يصبح الترويج لهكذا قضية مبررًا لتسويغ جريمة تجزئة الوطن اليمني الواحد وتشظيه على النحو الذي يريده أعداء اليمن واليمنيين.
على أن تلك التجاوزات والمظالم التي جرى ويجري الحديث عنها بإسهاب والمتمثلة هنا بالإقصاء والتهميش والنهب والاستبداد والفساد واستغلال المناصب والنفوذ.. إلخ، كمبررات للترويج وشرعنة الانفصال، لم تستهدف أساسًا جهة معينة دون أخرى في اليمن، بل إنها طالت جميع المواطنين اليمنيين في الشمال والجنوب بلا استثناء خلال الثلاثة العقود المنصرمة وحتى اللحظة.
ونرى بوضوح أن كل محاولة عبثية لتزييف هذا الواقع وإنكاره وتحويله إلى مجرد صراع جهوي ومناطقي بغلاف ونكهة طائفية مقيتة ليست سوى خطوة غير صحيحة على طريق تمزيق الوطن اليمني الواحد وتجزئته خدمة لأصحاب المشاريع الانفصالية مدفوعة الأجر والتكلفة من الخارج، على غرار المجلس الانتقالي الجنوبي الذي حاول اختزال الجنوب في مشروع انفصالي تبنته الإمارات وحاولت من خلاله فرض وخلق سلطة أمر واقع خدمة لمصالحها ومصالح من تخدمهم، وقد حققت بعض النجاحات في هذا الجانب، وأخفقت في جوانب أخرى، وتبدو ماضية في مشروعها الانفصالي الذي يستهدف اليمن الموحد حتى النهاية، حتى وإن تراجعت أمام الرفض والتصدي السعودي الظاهر لهكذا مشروع مشبوه، فلا تزال تملك الكثير من أوراق الضغط واللعبة لتحقق ما تهدف إليه عبر أدواتها المحليين في الداخل.
لتبقى القضية اليمنية التي تهم كل اليمنيين بأيدي الخارج وتدخلاته الفجة فيها ممثلًا هنا بحليفي العدوان على اليمن وعلى شعبه - السعودية والإمارات - وتبقى القضية اليمنية مستعصية على الحل طالما بقي الطرف الوطني اليمني مغيبًا ومهمشًا، ومجرد أداة ووسيلة بيد الخارج، حيث لا تملك حكومة الشرعية الدمية وأطنابها من المسميات الأخرى المماثلة لها في الجرم، أو المشتركة معها في إثم العمل السياسي القذر الذي يستهدف الوطن وسيادته وكرامة أبنائه كقضية عادلة ومشروعة تمثل كل اليمنيين ورقعة الوطن الجغرافية كاملة لا منطقة معينة منها.
وحتى نشعر بقيمة الوطن كقضية القضايا ولا ننتصر أو نروج لقضية منطقة معينة أو فئة محددة من أبناء اليمن، عندها يبقى لدينا أمل كبير وعظيم للخروج من النفق المظلم الذي حُشرنا فيه حشرًا، وآن الأوان أن نخرج منه بسلام، ويبقى الأكيد أن حل قضية اليمن بيد أبنائه، وبهم يتم المراد والقصد الذي يقصده كل وطني شريف غيور على هذا الوطن الحبيب.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

