كيان الأسدي*
منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه الإطار التنسيقي ترشيح الحاج نوري المالكي لرئاسة الوزراء، برزت مواقف معارضة لهذا الترشيح. شخصياتٌ كانت قد باركت له عادت فانقلبت عليه بتوجيهٍ خارجي، وأخرى أبدت تحفظها، ثم أخذت هذه الاعتراضات تتصاعد شيئًا فشيئًا. حتى إن بعضهم أعلن صراحةً عدم مشاركته في الحكومة إذا ما مضى الإطار في تكليف المالكي، ومنهم محمد الحلبوسي، الذي عدّ الإطار موقفه انقلابًا على التوافقات السياسية.
ونُقل أيضًا أن من أسباب اعتراض أو تحفظ بعض الشخصيات داخل الإطار التنسيقي واحد شروطهم أن يذهب الإطار باتجاه مأسسة نفسه، وأن يكون له تمثيل في الوزارات، ووضع قواعد وهيكلية في كيفية التعاطي مع الحكومة.
ثم اتخذت الأمور منحىً آخر، إذ ظهرت أسماء من سعوا إلى إدخال الفاعل الدولي لإجهاض مشروع الترشيح، بعد أن أخفقوا في صناعة «فيتو النجف» أو إقحام المرجعية، أو استحصال موقفٍ من السيد مقتدى يتكئون عليه.
وبرزت أسماءٌ من داخل الإطار نفسه؛ منهم من بعث رسائل عبر السفير البريطاني، ومنهم من لجأ إلى الاتصال بمارك سافايا، مبعوث ترامب الخاص إلى العراق، فضلًا عن معترضين من الفضاء الوطني. وجاءت تغريدة ترامب مقتضبة، تضرب العرف الدبلوماسي عرض الحائط، وقد فسّرها كثيرون بأنها لا تخلو من نَفَسٍ عراقي وبأموالٍ عراقية.
وفي كواليس زيارة القائم بأعمال السفارة الأميركية إلى نوري المالكي، يُنقل أن الأخير تساءل بوضوح: “لماذا تتدخلون في شؤوننا الداخلية وتوجّهون لنا رسائل ضغط وتهديد؟” فجاءه الرد بأن الأمر لا يرقى إلى مستوى التهديد، بل هو موقف مفاده أن الولايات المتحدة لن تقدّم الدعم للعراق ولن تتعاون إذا مضيتم بترشيحكم لرئاسة الوزراء.
ردّ المالكي بدوره متسائلًا: “ومتى كانت مساعدتكم وتعاونكم بالمستوى الذي يُلوّح بقطعه اليوم؟ لدينا اتفاقية الإطار الاستراتيجي، ومع ذلك لم يتحقق منها شيء. تُعلّقون كل شيء على شماعة سلاح الفصائل والتجاذبات السياسية، فيما تغيب جوانب أساسية في الاتفاقية، كالتعاون العلمي والثقافي والتجاري، التي لم نشهد فيها خطوات ملموسة.”
وتغنّى معارضو ترشيح المالكي بأن المضيّ في عملية الترشيح مع تجاهل الفاعل الدولي أمرٌ غير ممكن، ولا سيما بعد تغريدة ترامب التي حملت نبرة تهديد بقطع المساعدة التي لم تأتِ أصلًا وأنه لا يجوز التسبب بتجويع الشعب العراقي وأن المصلحة العامة تقتضي البحث عن مرشحٍ توافقي يحظى بقبول الفاعل الدولي (ترامب).
في المقابل، رأى كثيرون في الأمر تدخلًا سافرًا لا ينبغي الخضوع له، لأنه سيفتح شهية الإدارة الأمريكية لمزيد من التدخل، حتى تضع الفيتو على الوزير والمدير واللجنة، إلى ما لا نهاية. فهي في نظرهم مسألة مبدأ، لا مسألة شخص المالكي.
أما موقف هادي العامري من ترشيح المالكي فقد اختصره بكلمة قالها في اجتماع الإطار التنسيقي: (لا عودة إلى الوراء). وقد أصبح الإصرار على المضي بترشيح المالكي يمثل مبدأً راسخًا، فيما اقترح العامري حلًّا للانسداد السياسي في انتخاب رئيس الجمهورية عبر تغيير ترشيح فؤاد حسين، كخطوة لتسهيل التوافق السياسي دون التراجع عن المبادئ.
وأضافت المتحدثة باسم كتلة بدر البرلمانية موقفها قائلة: “سنكون أسوأ من غزة إذا نفذنا تغريدة ترامب، لا يمكن تغيير المالكي بسبب تغريدة لشخص متهور، وتغريدة ترامب ضد المالكي فيها إهانة.” كما دعت محمد الحلبوسي إلى الاتجاه نحو المعارضة وعدم التصويت للمالكي، مؤكدة: “رسالتنا له: لا تصوّت لحكومة المالكي.”
ثم تبيّن لاحقًا، مع إلغاء مهام مبعوث ترامب الخاص مارك سافايا لإخفاقه في إدارة ملفاته وتدخله في ما لا يعنيه بحسب ما صرّح به توماس باراك مبعوث ترامب إلى سوريا.
يقال أن سافايا كان قد تقاضى أموالًا مقابل إيهام الإدارة الأمريكية وترامب بصورةٍ معينة تخدم أحزابًا سياسية داخل العراق. ويُقال إنه صوّر لترامب أن المالكي مرشح إيران، ولا يحظى بقبول الطبقة السياسية العراقية، وأنه شخصية طائفية ستفتح أبوابًا واسعة من الأزمات مع بقية الأحزاب.
وتُنقل روايات عن تقاضيه مبلغًا قُدّر بمئتي مليون دولار عبر تاجرٍ عراقي، بهدف إرباك التوازنات السياسية. وبالفعل، منحت تغريدة ترامب دفعةً للأحزاب المعارضة لرفض الترشيح والتلويح بمقاطعة الحكومة والجلسات. غير أن صمود بعض قيادات الإطار التنسيقي وتمسكهم بترشيح المالكي قد يفضي إلى نتيجة تكسر هذا الفيتو، وتضع حدًا لهذا التدخل غير المبرر، وتسقط الشماعة التي علّق عليها الرافضون اعتراضهم، وابتغوا من ورائها مصالحهم.
* المقال يعبر عن راي الكاتب - كاتب عراقي