السياسية || محمد محسن الجوهري*

رغم أن المجرم الصهيوني جيفري إبستين كان يحتفظ بصورة محمد بن سلمان في غرفة نومه إلا أن اسمه غاب عن الفضائح التي نشرتها المخابرات الأميركية والتي ضمت نحو ثلاثة ملايين وثيقة وفضحت الكثير من قادة وسياسيين ورجال أعمال حول العالم، منهم حاكم الإمارات محمد بن زايد.

إن هذا الغياب المريب في الأوراق يُفسره الحضور الطاغي للأجندة الصهيونية في الواقع الميداني داخل بلاد الحرمين. فبدلاً من فضائح الجزر الخاصة، نُقلت المشاهد ذاتها إلى "موسم الرياض" وساحات الترفيه، حيث غُيبت هوية الأمة واستُبدلت بمهرجانات تُمعن في سلخ المجتمع عن قيمه الأصيلة. وهذا التفسخ الأخلاقي المتعمد ليس إلا وسيلة لتخدير الوعي الجمعي، وضمان عدم تحرك الشارع السعودي لنصرة قضايا أمته، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي تُذبح اليوم بصمت وتواطؤ من الرياض.

وعلى صعيد آخر، يتجلى هذا "الولاء الوظيفي" في تحويل المشاعر المقدسة من حق لعامة المسلمين إلى "استثمار فاره" يُقصي الفقراء والبسطاء. فبينما تُهدم البيوت التاريخية في مكة لإفساح المجال للفنادق الشاهقة التي تخدم الأثرياء، يُمارس التضييق على الحجاج والمعتمرين الذين يحملون في قلوبهم هموم الأقصى، حتى غدا الحرم المكي مكاناً يُعتقل فيه من يدعو لأطفال غزة، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لكل "سائح" أو "فنان" يبارك النهج الجديد.

كما إن صمت السلطة السعودية تجاه حرب الإبادة في غزة، واستمرارها في الحفلات الراقصة بينما تُباد عائلات بأكملها، هو "أيقونة" الفرز الحقيقية في هذا الزمان. إنه يثبت أن "الصهيونية" ليست مجرد انتماء لكيان غاصب، بل هي نهج وممارسة يتبناها حكام الرياض عبر التزامهم بالصمت تارة، وبالتطبيع الممنهج تارة أخرى. وبذلك، يصبح غياب بن سلمان عن وثائق إبستين ليس دليل طهرانية، بل هو دليل على أن "المهام" التي يؤديها حالياً تتجاوز بكثير مجرد التورط في فضيحة أخلاقية، لتصل إلى حد المشاركة في تصفية القضية الفلسطينية واستنزاف مقدرات الأمة في حروب عبثية، كما هو الحال في العدوان المستمر على اليمن الذي لم يخدم سوى أمن الاحتلال واستقرار مشاريعه في المنطقة.

وعلينا ألا ننسى أن مشروع "نيوم" الذي يروج له بن سلمان كواجهة للمستقبل، ليس في حقيقته إلا حجر الزاوية في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي طالما حلم به قادة الصهيونية العالمية. هذا المشروع الذي يمتد ليرتبط جغرافياً واقتصادياً بالكيان، ويهدف إلى خلق منطقة "منزوعة الهوية"، حيث لا مكان فيها للمسلمين، بل هي "منطقة حرة" لكل ما هو شاذ ودخيل.

إن بقاء اسم محمد بن سلمان طي الكتمان في فضائح "إبستين" وأخواتها هو الدليل الدامغ على أن المهام التي ينفذها اليوم هي "خدمات جليلة" للمشروع الصهيوني لا تقدر بثمن. فالفضيحة الأخلاقية تسقط الأفراد، لكن "الخيانة الاستراتيجية" تسقط أمماً بأكملها، وهذا هو الدور الذي يلعبه النظام السعودي ببراعة؛ حيث يقايض كرامة الأمة ومقدساتها ودماء أطفالها مقابل بقاء العرش وحصانة "الرجل القوي" الذي لا تطاله الوثائق طالما بقي السيف المسلط على رقاب المسلمين والدرع الحامي لمصالح المحتل.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب