السياسية || محمد محسن الجوهري*

في وثائق إبستين الأخيرة كشفت إحداها عن وجود أكثر من مليون روسي على أرض فلسطين المحتلة، وأن هؤلاء الروس تم تهويدهم بالاتفاق مع فلاديمير بوتين وإرسالهم إلى الأراض المحتلة كمواطنين للكيان لسد الفجوة الناتجة عن هجرة اليهود العكسية المتزايدة جراء تدهور الأوضاع الأمنية والخوف من الزوال الوشيك لدولتهم المزعومة.

وبحسب الوثائق، فقد أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عن قلقه إزاء تزايد عدد السكان العرب في إسرائيل، وقال إنه أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الهجرة الروسية قد تُخفف من حدة هذا التزايد، وذلك وفقا لتسجيل صوتي نُشر هذا الأسبوع ضمن ما يُعرف بملفات إبستين.

وهذه هي المعلومات التي سبق وأكدتها مصادر فلسطينية مختلفة، فاللغة الروسية هي الأكثر استخداماً بين المستوطنين الصهاينة، كما سبق لبوتين أن عبر عن تعاطفه الكبير مع "إسرائيل" باعتبارها موطن لأكبر جالية روسية في الخارج، والأرقام قد تكون أكبر مليون في بعض المصادر العالمية.

السؤال هنا: كم تبقى من المستوطنين اليهود على أرض فلسطين، وماذا لو سحبت روسيا رعاياها من الكيان؟
إن سحب الكتلة البشرية الروسية يعني إحداث فراغ ديموغرافي هائل لا يمكن تعويضه بأي موجات هجرة أخرى، مما يؤدي إلى انقلاب فوري في موازين القوى السكانية. حالياً، يعتمد الكيان على هذه الجالية لضمان تفوق عددي "يهودي" (ولو كان اسمياً في كثير من الأحيان) داخل ما يسمى "الخط الأخضر" وفي المستوطنات. وبخروج أكثر من مليون نسمة، سيجد الكيان نفسه فجأة أمام حقيقة أن الفلسطينيين أصبحوا الأغلبية الساحقة على كامل الجغرافيا الممتدة من النهر إلى البحر.

هذا الانهيار الديموغرافي سيفقد الكيان مبرر وجوده كـ "دولة يهودية" أمام المجتمع الدولي، حيث سيتحول النظام سياسياً وبشكل قسري إلى نظام أبارتهايد (فصل عنصري) فجّ، تمارس فيه أقلية حاكمة سيطرتها على أغلبية محكومة، وهو وضع لا يمكن أن يستمر تاريخياً. علاوة على ذلك، فإن سحب الروس يعني فقدان "الطبقة الوسطى" التي تشغل المهن الحيوية والخدمية، مما سيؤدي إلى انكماش جغرافي؛ حيث سيضطر الصهاينة لإخلاء مدن ومستوطنات كاملة لعدم وجود سكان يشغلونها، مما يقلص "العمق الاستراتيجي" للكيان ويجعله ينحسر في جيوب سكانية صغيرة ومعزولة، تمهيداً للزوال النهائي تحت ضغط الزيادة السكانية الفلسطينية الطبيعية.

في مقال سابق لي بعنوان "الكيان الصهيوني ينهار ديمغرافياً من الداخل" شرحت بأن الكيان قابل للتلاشي لأسباب كثيرة أهمها العامل السكاني حيث يتعرض العدو الصهيوني لاستنزاف بشري نتيجة الهجرة العكسية لأغلب اليهود إلى خارج فلسطين المحتلة بسبب الأوضاع السياسية والعسكرية.

فعلى سبيل المثال في حرب النكسة عام 1967، تعرضت إسرائيل لموجة من الهجرة العكسية رغم أن الانتصار العسكري الكبير الذي حققه الكيان الصهيوني على الدول العربية، اضطر الكيان حينها أن ينظم برنامجاً سياحياً يجبر فيه المستوطنين على قضاء بعضاً من إجازتهم السنوية في فلسطين.

حالياً يحمل الجنسية الإسرائيلية نحو سبعة ملايين يهودي، نصفهم على الأقل يعيشون بشكلٍ دائم في الخارج، خوفاً من الهجمات المسلحة للمقاومة الفلسطينية.
إضافةً إلى ذلك فإن معدل الخصوبة للشعب الفلسطيني عالية جداً بالمقارنة مع اليهود، حيث يسكن فلسطين حالياً نحو سبعة ملايين عربي، ثلاثة ملايين منهم في الضفة، واثنان في غزة، وأيضاً مليونان في الداخل الفلسطيني المحتل.

ومن المؤشرات التي ترعب اليهود هي الهجرة العكسية للمواطن الفلسطيني من المهجر، ورغم أن إسرائيل تمنع عودة النازحين الفلسطينيين إلى أراضي 48، إلا أن الكثير منهم رجعوا إلى الوطن بجوازات أوروبية وأمريكية، ومن المقدر أن هناك 400 ألف فلسطيني يقيمون على أراضي النكبة، هذه الخطوة وحدها أرعبت العدو الصهيوني، والسبب أن بداية الاحتلال الإسرائيلي كانت مع مهاجرين يهود وفدوا إلى فلسطين على شكل مستثمرين وعمَّال.

وتشير التقارير إلى أن عدر الفلسطينيين اليوم على أرضهم قد يصل إلى ضعف اليهود، وأن الأرقام الديمغرافية دائما لصالح الشعب الفلسطيني، وما يحمي إسرائيل هو الفارق في العدة والعتاد لا أكثر.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب