السياسية || محمد محسن الجوهري*

عندما كانت فضائح المجرم "إبستين" تتوالى في الظهور، كان مندوب الكيان الصهيوني "دان دانون" يرفع شعار الصرخة في مجلس الأمن محذراً من خطورة هذه الثقافة على كيانه المحتل، لكنه نسي أنه في ذات الوقت قدم للبشرية الحل الناجع للخلاص من عقيدته الإجرامية التي تمثل تهديداً وجودياً للإنسانية جمعاء.

فالصرخة تعبر عن الثقافة والمشروع الوحيد القادر على الحد من تغول التسلط الصهيوني على البشر، وقد رأينا كيف أن اليمن هو البلد الوحيد في العالم القادر على مناهضة ذلك المشروع والمجاهرة بالعداء له، فيما يذهب الآلاف من العرب سنوياً إلى السجون بمجرد أن يأتي أحدهم على ذكر الصهاينة وجرائمهم في غزة، وهذا يؤكد أن الحرية الفعلية لا تكون إلا في ظل الإسلام والمشروع القرآني، وأن الثقافات المنحرفة تؤدي بالأمة إلى التهلكة والضياع أمام عدوها الرئيسي، وهكذا هو الفرق بين الحق ذي الوجه الواحد والظلمات ذات الوجوه المتلونة.

وقد أثبتت الوقائع أيضاً أن المشروع الصهيوني قادم لا محالة إلى كل البلاد الإسلامية، وحتى يمارس "إبستينيته" على كل المسلمين بسادية مطلقة وسط صمتٍ مطبق، كما نرى في سوريا وسائر البلاد المحتلة، ولا سبيل إلى الخلاص من تلك الفظائع إلا باتباع المشروع النوراني القادر على اجتثاثها، وكل من يناصب العداء لهذا المشروع فقد حكم على نفسه بالضياع والخنوع لليهود طيلة حياته، بدليل ما نراه من قهر وظلم لأبناء شعبنا في المناطق المحتلة؛ فالحديث هناك عن مظلومية الشعب الفلسطيني جريمة عقوبتها الموت والإخفاء القسري لسنوات تتخللها عقوباتٌ إبستينية، وسجون مأرب تشهد بالكثير عن ذلك.

وكان بإمكان المرتزقة، لو كانوا أحراراً، أن ينصروا غزة كما نصرتها حكومة صنعاء، فمناطق سيطرتهم أكبر وكذلك الشريط الساحلي في المناطق المحتلة يعادل أربعة أضعاف نظيرتها في المحافظات الحرة، ولكن حكومة المرتزقة بقيادة الخائن العليمي لا تمثل اليمن ورجالها الأحرار فهي صنيعة الاحتلال وتخضع كلياً للنزوات الصهيونية، فكل ما كان للرياض وأبوظبي فهو لواشنطن وتل أبيب، ومهما اختلف آل زايد وآل سعود فهما متفقان على خدمة المشروع الصهيوني بل ويتنافسان على من يقدم أكثر لحماية الكيان الإجرامي، وكذلك حال من تحت يدهم من خونة اليمن وسائر العرب.

أما الرجال فهم خلف المشروع القرآني العظيم، وقد سطروا في البحار والمضايق الدولية التجسيد العملي لكسر الهيمنة "الإبستينية" التي ظنت أنها أحكمت قبضتها على مصير الشعوب. فحينما يقف اليمن بإيمان قيادته وصلابة مشروعه ليعيد صياغة موازين القوى، فإنه يقدم الدليل القاطع على أن الاستعمار الثقافي والسياسي ينهار أمام "المشروع القرآني" الذي يحرر الإنسان من قيود الخوف والتبعية، ويثبت أن القوة المادية مهما بلغت ساديتها، تظل عاجزة أمام إرادة تستمد نورها من الحق المطلق.

وعلاوة على ذلك، فإن محاولات فرض الأجندات الأخلاقية المنحرفة وتعميم نموذج "إبستين" في التحلل والابتزاز السياسي، قوبلت بوعي شعبي متصاعد يدرك أن المعركة هي معركة وجود بين "نور الفطرة" و"ظلمات الانحراف". وما نراه من تلاحم في جبهات الإسناد ليس إلا ثمرة لهذا الوعي الذي انتقل من حيز التنظير إلى واقع الفعل المؤثر والمغير لمسار التاريخ.

ويبرز التناقض الصارخ في تلك الأنظمة التي تدعي الحداثة والحرية، بينما هي غارقة في مستنقع الولاء للصهيونية، حيث يُقمع المواطن العربي ويُسجن لمجرد تعبيره عن التضامن مع فلسطين، في حين تُفتح الأبواب والمنصات لكل ما يفسد الروح ويطمس الهوية. وهذا التباين يكشف أن المعركة الحقيقية هي بين مشروع "الاستعباد العالمي" الذي يمثله الثلاثي (أمريكا، إسرائيل، وبريطانيا)، وبين المشروع القرآني الذي يصون كرامة الإنسان ويحمي حياض الأمة من الضياع في دهاليز السادية الإبستينية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب