السياسية || محمد محسن الجوهري*

بعد الهزائم الأخيرة لها ولأدواتها في الجنوب، عادت الإمارات تضرب بقوة ضد السعودية وحلفائها في المحافظات الجنوبية، مستغلةً العجز السعودي في ملفات الأمن والاستقرار الاقتصادي، وفشلها الذريع في إعادة تطبيع الأوضاع في عدن وغيرها من المحافظات المحتلة.

ومن عتق كان الصدام الأكبر؛ فقد قمعت قوات موالية للسعودية تجمعاتٍ من موالي المجلس الانتقالي خرجت للتظاهر ضد الاعتراف بالحكومة الجديدة التي تم تشكيلها في الرياض، قبل أن تتعرض لإطلاق نار مباشر أدى إلى إصابة العشرات من المحتجين بينهم ستة قتلى.

ومن جهة أخرى، رأينا الإعلام الموالي للإمارات، بما فيه إعلام طارق عفاش، يهاجم التحركات السعودية في الجنوب، ويعتمد رواية المجلس الانتقالي حول الأحداث في عتق، وهذا يؤكد أن الإمارات لا تنوي الاستسلام في اليمن، وأن لها نوايا لضرب الوجود السعودي بكل الأدوات الممكنة، والإعلام يمثل دوماً الخطوة الأولى للحرب. وإذا كان طارق عفاش قد فر إلى الرياض خلال التصعيد الأخير مع السعودية تاركاً الانتقالي بمفرده في المواجهة، إلا أن إعلامه لا يزال على ذات السردية المتناغمة مع الانفصال التي تمولها الإمارات.

وبالنسبة لآل عفاش، فهم يلعبون مع الجميع ضد الجميع، لكن هذه البراغماتية لها أثر مميت ضد من يراهن عليهم، تماماً كما حدث مع عيدروس الزبيدي الذي تفاجأ بانشقاق طارق وتحوله إلى الرياض بعد ساعات من توقيعهما معاً بياناً يدين إخراج الإمارات من اليمن.

وتبقى المعضلة في الانتقالي؛ فالسعودية قد تسرعت ووجهت بحل المجلس رغم ما يمتلكه من عوامل قوة على الأرض قادرة على استنزاف الرياض، وقد يجبرها على مراجعة قرار الحل وإعادة اعتماد المجلس كممثل للجنوب. وفي حال أقدمت على هذه الخطوة، فإن المملكة تعترف بهزيمتها الأولى في المحافظات الجنوبية، ومن شأن ذلك أن يكسر غرور بن سلمان الذي تنامى بعد الخروج المهين والسريع للقوات الإماراتية.

بالمقابل، تمتلك الرياض فرصاً أضعف للإبقاء على تواجدها في الجنوب، فحلفاؤها في حزب الإصلاح هم الورقة الأضعف في المعادلة؛ فشعبيتهم في الجنوب منهارة تماماً، كما سبق للرياض أن صنفتهم كجماعة إرهابية، فيما الإصلاح نفسه يتعامل بانتهازية مفرطة مع حاجة السعودية إليه، وإن كان يترجمها على شكل مصالح خاصة بالزمرة الحاكمة للحزب كآل الأحمر وغيرهم، وبالتالي فإن المملكة مضطرة للتعامل معهم على مضض وحتى إشعارٍ آخر.

والكارثة على السعودية أن الإمارات قادرة على أن تجعل من المحافظات الجنوبية ساحة لاستنزاف السعودية على عدة مستويات؛ فالانتقالي من جهة، والجماعات السلفية من جهة أخرى، إضافة إلى السخط الشعبي المتراكم جراء تردي الأوضاع المعيشية في الجنوب، خاصة وأننا مقبلون على فصل الصيف الذي عادةً ما يكون مناسبة للاحتجاج في عدن ضد الوجود الإماراتي، وقد حانت الفرصة لإعادة توجيه ذلك السخط إلى "الشقيقة الكبرى"، التي وإن اختلفت مع آل زايد، إلا أنها تتعامل مع الجنوبيين بالدونية نفسها.

باختصار، فإن المشهد في الجنوب تحول إلى معركة كسر إرادة استراتيجية، قد تُثبت فيها الإمارات أنها الأكثر نفساً والأعمق تغلغلاً عبر أدواتها التي تتقن فن اللعب على حافة الهاوية. وبينما تغرق السعودية في رمال العجز الاقتصادي والفشل في إدارة ملفات الخدمات، تبدو "الشقيقة الكبرى" وكأنها تسير نحو فخ استنزاف طويل الأمد، حيث تتوفر كافة العوامل لإعادة توجيه السخط الشعبي المتفجر صوبها. فيما اعتراف الرياض المرتقب بهزيمتها أمام الانتقالي، أو تراجعها عن قرارات الحل، سيكون إعلان رسمي عن تحول الجنوب إلى ساحة نفوذ إماراتية خالصة، تُدار فيها الأزمات لتصفية حسابات إقليمية، بينما يظل الإنسان الجنوبي هو الضحية الكبرى لهذه البراغماتية المميتة التي تمارسها أطراف التحالف.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب