السياسية || محمد محسن الجوهري*

لم يعد خافياً العلاقة القوية بين محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للنظام السعودي، والملياردير والمتحرش الصهيوني جيفري إبستين، لكن ما طبيعة هذه العلاقة خاصة إذا علمنا أن جيفري إبستين كائن شيطاني ولا يقبل به إلا أمثاله من المجرمين وعبدة الشيطان، وأن علاقة الندية غير واردة في مشروع إبستين، فالجميع عنده ضحايا، لا سيما العرب منهم.

من الناحية الواقعية، فإن شبكة إبستين كانت تعتمد على استراتيجية "الاستقطاب والسيطرة". إبستين كان يسوق نفسه كـ "سمسار نفوذ" (Power Broker) يربط بين أصحاب رؤوس الأموال الضخمة وبين مراكز الأبحاث، العلماء، والسياسيين. وبالنسبة لزعماء أو مسؤولين من المنطقة العربية، كان إبستين يمثل بوابة خلفية للوصول إلى دوائر صنع القرار في واشنطن ونخبة "وادي السيليكون"، وبالنسبة للسعودية، فإن الرؤية المقدسة تجاه الغرب تفرض على حكامها الامتثال كلياً لأي توجيهات قد تأتي من السيد الأبيض، وهنا تتهيأ بيئة خصبة وفرصة سانحة لرجل مثل إبستين تجاه أمير سعودي يشعر بالدونية تجاه الأميركان وغيرهم من البيض.

في هذا الإطار، قد يتحول بن سلمان إلى ضحية لعملية "اغتيال الاستقلالية"؛ حيث يتم انتزاع سيادة قراره الوطني ليصبح أداة تنفيذية في يد شبكة نفوذ عابرة للحدود تخدم تطلعات القوى الصهيونية والغربية. الهدف النهائي من هذا الابتزاز السياسي هو بقاء انخراط النظام السعودي في مسارات "إجبارية" مثل التطبيع المتسارع وتصفية القضايا المركزية كضمانة لعدم تسريب "المواد" التي جمعتها شبكة إبستين، مما يحول الحاكم الفعلي إلى مجرد بيدق في رقعة شطرنج دولية تُحركه ملفات الفضائح لا المصالح القومية.

وهنا تتشابك الشواهد التي تؤكد تورط محمد بن سلمان في علاقة معقدة مع "جيفري إبستين" لتشكل لوحة من الارتهان السياسي الممنهج، حيث تتجاوز الأدلة مجرد اللقاءات العابرة لتصل إلى تقارير استخباراتية وصحفية دولية موثقة. من أبرز هذه الشواهد ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" ووكالة "بلومبرغ" حول زيارات ابن سلمان المكوكية لمناطق النفوذ في الولايات المتحدة، وتحديداً في عام 2018، حيث تمت لقاءات اقتصادية مع عمالقة التكنولوجيا، من الدائرة اللصيقة بإبستين ووسطاء نفوذه الذين تخصصوا في استدراج القادة الشباب ذوي الطموح الجامح والخبرة المحدودة.

ويظهر الدليل الأكثر خطورة في التقارير التي كشفت عن محاولات إبستين المستمرة للوصول إلى مركز القرار السعودي عبر "خالد بن سلمان" وشخصيات أخرى في حاشية ولي العهد، حيث كان إبستين يسوق نفسه كجسر يربط بين النظام السعودي الجديد وبين مراكز القوة الصهيونية و"النخبة الشيطانية" في الغرب. كما تُعد شهادة "خديجة جنكيز" والعديد من المقربين من الراحل جمال خاشقجي شاهداً حياً؛ إذ تشير المعطيات إلى أن خاشقجي كان بصدد كشف تفاصيل مرعبة حول تغلغل شخصيات مشبوهة مرتبطة بإبستين في مفاصل الدولة السعودية الجديدة، وهو ما يفسر الاستماتة في تصفيته لإخفاء طبيعة تلك الروابط التي تمس جوهر السيادة.

لقد أدركت الصهيونية العالمية أن السيطرة على "بلاد الحرمين" تتطلب حاكماً شاباً يتمتع بطموح مفرط ولكن بإرادة مرتهنة، وهو ما وفره إبستين عبر "ملفات الابتزاز السوداء" التي تضمن انصياع ابن سلمان الكامل للمشاريع الصهيونية الكبرى، مثل "صفقة القرن" ومشروع "نيوم" الذي يخدم التكامل الاقتصادي مع الكيان المحتل. وهكذا، يتحول المسار السياسي للسعودية من قيادة الأمة إلى تنفيذ أجندات مشبوهة، حيث يصبح محمد بن سلمان أداة لتصفية القضية الفلسطينية وفتح أبواب الجزيرة العربية للنفوذ الصهيوني، خوفاً من فضائح الشبكة الشيطانية التي أحكمت قبضتها عليه، ليصبح بقاؤه في السلطة مشروطاً بمدى نجاحه في تدمير هوية شعبه وتحويله إلى تابع للمنظومة الغربية والصهيونية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب