هل نرى حماس في عدن؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يعلم الجميع أن قضية المسجد الأقصى والشعب الفلسطيني هي من الثوابت المقدسة لدى الشعب اليمني، وأن أي إعراض عنها هو خيانة مكتملة الأركان لله والدين، وكان لهذه الخيانة الأثر الأبلغ في سقوط المرتزق عيدروس الزبيدي وحركته الانفصالية التي تبنتها الإمارات لخدمة الكيان الصهيوني في جنوب اليمن.
وبما أن عدن قد تحررت من الهيمنة الإماراتية، أو هكذا تبدو، فإن عنوان هذا التحرر أن تعود إلى الواجهة كل أشكال الدعم والتضامن مع الشعب الفلسطيني والسماح بخروج المسيرات الشعبية والوقفات الاحتجاجية المنددة بالكيان الغاشم، إضافة إلى استضافة عدن ممثليات لحركات المقاومة الفلسطينية بمختلف مسمياتها وتوجهاتها، وأولها حركة المقاومة الإسلامية حماس، التي هي عنوان الجهاد والصمود، وطليعة المناهضين للاستكبار العالمي بقيادة اللوبي الصهيوني.
وما على السلطات الجديدة سوى السماح فقط بتلك التحركات وسيتكفل أبناء الشعب بأي تكاليف تترتب عليها، من مقرات وتبرعات وغير ذلك، فحماس لها شعبية جارفة في عدن ولو أُجري استفتاء شعبي لما نقصت نسبة المؤيدين عن تسعين بالمائة من أبناء مدينة عدن بالذات، فلهم تاريخ طويل في دعم القضية الفلسطينية يوازي صنعاء وقد يتفوق عليها، وليس في ذلك الدعم أي استفزاز طائفي إذا كان جوهر الخلاف مذهبيًا كما تصوره السعودية وأزلامها في الداخل.
أما إذا كانت المسألة مسألة تصهين، فسيظل الوضع على حاله كما كان أيام الهيمنة الإماراتية، وسنرى الجنود الموالين للرياض يقمعون أي أنشطة داعمة لغزة وحماس، وتكتظ السجون السرية بالآلاف من المخفيين قسراً، والأولى للسعودية، إن كانت صادقة في معاداتها للإمارات بسبب صهيونيتها، أن تترك الشعب يعبر عن دعمه وتضامنه مع إخوتهم المستضعفين من أهل غزة وسائر الأرض الفلسطينية المحتلة.
ولا علاقة للأمر بالمزايدة السياسية، كما يصورها البعض من الخونة، فنصرة القدس جهاد وفريضة واجبة وجوب الصلاة والصيام، وأن يكون السياسي مداهناً وينصر فلسطين أشرف له من أن يرتد عن دينه ويخذلها، فلا قيمة للعرب بلا نصرتهم لقضيتهم الأولى وقد أثبتت الأيام أنهم أُكلوا جميعاً يوم أُكلت فلسطين، وأن العدو مستمرٌ في الفتك بما تبقى من الأنظمة القائمة، بما فيها النظام السعودي، وبدلة الجندي الإسرائيلي تشهد على أن خارطة "إسرائيل الكبرى" المزعومة تضم أجزاءً واسعة من المملكة، والأولى بها أن تبدأ مقاومة هذا المشروع أو أن تترك الشعب اليمني يقاوم نيابة عنها وعن الأمة بأسرها، ما لم فإن النهاية مأساوية، فالعدو لا يحترم أحدًا وينتقم من الجميع حتى أولئك الذين يدافعون عنه.
إن الرهان اليوم في عدن هو اختبار حقيقي لمدى استقلالية القرار الوطني وجديته في الانحياز لهوية الأمة وقضاياها المصيرية. فالجماهير العدنية لن تقبل بمقايضة كرامتها بمشاريع التطبيع الصامت أو التبعية العمياء، وستظل تترقب اللحظة التي تكسر فيها أغلال الصمت لتعانق غزة في مشهد مهيب يثبت أن اليمن، من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
والتاريخ لا يرحم المتذبذبين الذين يمسكون العصا من المنتصف في قضايا لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما نصرة صريحة تليق بعدالة القضية، وإما سقوط في هاوية التواطؤ التي لن ينجو منها أحد. وفرصة السلطات الجديدة في عدن تكمن في التصالح مع إرادة الشارع، وجعل المدينة منطلقاً لصوت الجهاد والحرية، بدلاً من أن تبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب أقدس المقدسات. ففلسطين كانت وستبقى هي البوصلة، ومن ضاعت بوصلته تاه في دروب التيه، وضاع منه الحاضر والمستقبل معاً.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

