الحجرية خارج "فخ" المناطقية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في كتابه "التاريخ العسكري لليمن 1839- 1967"، يؤكد الخبير الاستراتيجي الكبير الأستاذ سلطان ناجي بأن الإنجليز، وخلال احتلالهم لجنوب اليمن، أرادوا خلق كيان مناطقي في قضاء الحجرية شمال محافظة عدن، وكان الهدف هو فصل الشمال عن الجنوب وتأجيج الصراعات المناطقية المذهبية في إطار سياسة "فرق تسد" التي مكنتهم من الهيمنة على جنوب الوطن لأكثر من مائة وعشرين سنة.
وحتى بعد رحيل الإنجليز ظلت المناطقية على حالها، فقد تكفلت أحزاب وجماعات دينية ويسارية بإذكاء الصراع المناطقي في الحجرية وغير الحجرية، خاصة حزب الإصلاح الذي تولى مهمة الإفساد الديني وتحريض الجميع ضد الجميع خدمة لأجنداته المشبوهة، ونتذكر كيف كان حزب الإصلاح يحرض أتباعه على العودة من صنعاء إلى تعز لقتل أبناء المحافظات الشمالية في أسوأ مشاهد الكراهية التي أظهرت الوجه الحقيقي لعصابات الزنداني الإجرامية، وقد خدمهم في ذلك أن أغلب المحسوبين على صنعاء كانوا في خندق واحد ضد العدوان السعودي – الأمريكي.
إلا أن تلك المشاريع الإجرامية تغيرت بعد أحداث ديسمبر 2017، فطارق عفاش، عدو الإصلاح، بات يسكن في الفندق المجاور لليدومي في الرياض، وبات الطرفان عملاء في مشروع واحد معادٍ للوطن، ولهذا اضطر الإصلاح أن يغض الطرف عن توطين آلاف العائلات المحسوبة على صنعاء في مديريات الحجرية، الأمر الذي أدى إلى تغييرات ديمغرافية في المنطقة، وهنا كسرت الحجرية حاجز التأجيج المناطقي لأول مرة في تاريخها.
والسبب أن حزب الإصلاح لا يجرؤ على إثارة النعرات المناطقية هناك خوفاً من السعودية التي تراهن على عفاش أكثر من اليدومي، إضافة إلى الخوف من إجراءات مماثلة قد يشنها أنصار عفاش في مدينة مأرب، التي تعرضت لتغييرات سكانية شاملة بفعل توطين حزب الإصلاح لأتباعه في المحافظة، وهو الأمر الذي أثار سخط الكثير من أبنائها، وقد يتفجر الوضع في أي لحظة في حال حدث استثمار سياسي على غرار ما كان يفعله الإصلاح في تعز.
والاستثمار في الصراعات المناطقية هو وسيلة قذرة بكل ما تعنيه القذارة من معنى، ويتعارض ذلك مع الدين الإسلامي وكل المبادئ والأعراف الوطنية، وكل ذلك لا قيمة له في عقيدة الإصلاح البراغماتية، وقد دفعوا ثمن ذلك التأجيج لاحقاً في عدن حيث تعرضوا لحملة تصفية كانت أشبه بالتطهير العرقي، وقد تحدث عنها الشيخ السلفي هاني بن بريك مؤخراً في الإعلام الإماراتي بأنها كانت ضرورة من أجل التخلص من مؤامرات الإخوان، حد وصفه.
ومع ذلك، فإن المناطقية مرض خبيث يهدد وحدة اليمن واستقلاله، فالأرض لله، ولكل يمني الحق أن يعيش بحرية في أي محافظة من محافظات الوطن شاء، وكل ما يمنع اليمني من التنقل في أرضه إنما هو نتيجة وجود قوى سياسية مجرمة تعمل على تفريق أبناء الشعب، وذلك لخدمة مشاريع خارجية لا علاقة لها باليمنيين ووحدتهم الوطنية.
إن كسر حاجز المناطقية في الحجرية، وإن جاء مدفوعاً بتبدل المصالح السياسية، إلا أنه يمثل فرصة تاريخية لاستعادة الهوية الوطنية الجامعة. فاليمنيون اليوم أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في الارتهان لمشاريع "فرق تسد" التي بدأت منذ عهد الاستعمار، أو الانتصار لوحدتهم ونسيجهم الاجتماعي فوق كل الاعتبارات الحزبية والمناطقية الضيقة. فالأرض ستبقى، والمشاريع المشبوهة إلى زوال.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

