الشيطان يكمن بين ثنايا القوانين حين يضعها مشرّعٌ لا يتشرّع!
السياسية :
كيان الأسدي*
إن قابلية النظام السياسي في العراق – بما نُصِب له من أفخاخٍ إبّان مرحلة إدارة بول بريمر – قد أفسحت المجال لسياسيي الصدفة أن ينساقوا خلف المغريات، ويُعرضوا عن الغايات الكبرى التي ينبغي أن تتجه نحو مصلحة الدولة وصيانة كيانها. ومن هنا فإن الإصرار على إدماج فصائل المقاومة في العمل السياسي يظلّ سلاحًا ذا حدّين؛ إما أن يكون مدخلًا لترسيخ المشروع، أو معبرًا للذوبان في دهاليز الرماد.
فإذا جعلت المقاومة من العمل السياسي أداةً مسخّرةً لأهدافها العليا، وضبطت حركتها بميزان المبدأ، وتجنّبت الانجرار إلى مآلات المساحات الرمادية، أمكن القول إنها قد حافظت على جوهر فعلها المقاوم، وجعلت من السياسة بوابةً لحفظ الوجود، ومنبرًا لإضفاء الشرعية عليه.
أما إذا انعكست الصورة، وغدا سلاح المقاومة حارسًا لمصالحٍ حزبيةٍ ضيّقة، ومظلّةً لمقتضياتٍ سياسيةٍ آنية، فإن هذا السلاح نفسه سيتحوّل – يومًا ما – إلى عبءٍ على أصحابه، وثِقَلٍ يُربك المسار، ويُعطّل الحركة، بفعل تناقضات المساحات الرمادية التي لا تثبت على حال.
ومن أكبر الأوهام التي رُوِّج لها في ميدان السياسة مقولة: “لا عدوّ دائم ولا صديق دائم”، وهي قاعدة قد يتذرّع بها من لا مبدأ له، ولا يخطّ لعمله السياسي خطوطًا حمراء تضبطه القيم والمرجعيات. فالمصالح قد تتقاطع، والتحالفات قد تتبدّل، لكنّ التفريط بالثوابت بدعوى البراغماتية يفضي إلى فقدان البوصلة، ويُدخل العمل السياسي في تيهٍ لا قرار له.
لقد تجمّعت دولٌ مختلفة العقائد على مصالح مشتركة، غير أن الأنظمة التي تنطلق من مرتكزٍ عقائدي غالبًا ما تحمل في صميم مشروعها نزعةَ الغلبة وإعادة تشكيل الآخر وفق رؤيتها. والتاريخ شاهدٌ على تحوّلاتٍ كبرى في بوصلة الصراع؛ إذ انتقل في محطاتٍ معينة من تنازعٍ لاهوتيّ بين اليهودية والمسيحية إلى تحالفاتٍ جديدةٍ أعادت رسم خطوط المواجهة وفق منطق المصالح والقوة.
وإذا كان الماضي قد شهد صراعاتٍ داميةً بين أتباع الديانات، فإن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون وقودًا لاستدعاء احداث الماضي، بل وسيلةً لفهم سنن التحالف والافتراق، وكيف تُعاد صياغة العداوات تبعًا لمعادلات النفوذ والمصلحة.
إن هذا العمق التاريخي والسياسي يحتاج إلى دراسةٍ واعيةٍ في أروقة القرار، وفي مؤسسات التشريع، حتى يدرك الساسة من هو الخصم الحقيقي في معادلة الدولة، ومن هو الشريك المرحلي، وأين تقف حدود المصلحة حين تصطدم بجدار المبدأ. فهل يجوز أن يتحوّل عدوّ الأمس إلى صديق اليوم مهما كان الإرث الثقيل؟ أم أن للتاريخ أثقالًا لا تمحوها الضرورات؟
إن عجز كثيرٍ ممن ولجوا ميدان السياسة عن صناعة قائدٍ حقيقيّ مردّه إلى الجهل بالتاريخ، وإلى التيه بين الثابت والمتغير، وبين المبدأ والمصلحة. والاختبار الأصدق ليس في ساحات الخطاب، بل في إدارة المساحات الرمادية؛ هناك حيث تتكشّف المعادن، ويُعرف من يملك بوصلةً تهديه، ومن تبتلعه الظلال.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

