جسدٌ معلّق بين الألم والأمل.."أحمد النحال" ينتظر نافذة نجاة خارج غزة
غزة ـ السيـاسية:
على سريرٍ مهترئ داخل خيمةٍ لا تقي حرًّا ولا بردًا، يرقد أحمد النحال محدّقًا في سقفٍ من قماش، فيما يتأرجح مصيره بين قائمة سفرٍ قد تُنقذه، وواقعٍ يهدده بعجزٍ دائم. منذ أن اخترقت رصاصة صهيونية متفجرة جسده، لم يعد الألم هو العدو الوحيد؛ صار الانتظار شريكًا يوميًّا ينهش أعصابه ويختبر صبر عائلته، في سباقٍ مع الوقت لإعادة أبٍ إلى قدميه.
في السابع والعشرين من يوليو 2025، كان أحمد (31 عامًا) يقف أمام منزله في منطقة السودانية شمال غرب غزة، يتابع مرور قوافل المساعدات وسط حشودٍ أنهكها الجوع. لحظةٌ واحدة قلبت كل شيء؛ رصاصة متفجرة اخترقت صدره وأسقطته أرضًا أمام شقيقه فاقدًا الوعي، لتبدأ رحلة علاجٍ قاسية لم تُغلق فصولها بعد.
تستعيد زوجته آية المشهد بذاكرةٍ مثقلة وتقول لـ صحيفة (فلسطين): "انهرت فور سقوطه.. لم أستطع حتى مرافقته إلى المستشفى. كانت ساعات الانتظار أطول من العمر كله".
داخل المستشفى، خضع أحمد لسلسلة عمليات معقدة؛ استُؤصل طحاله وأجزاء من رئته وكبده، ورُممت أمعاؤه الممزقة، بينما فتّتت الشظايا فقراتٍ في أسفل ظهره وتسببت بكسر فقرتين أخريين. أمضى خمسة عشر يومًا في العناية المركزة، ثم أربعة أشهر في مجمع الشفاء الطبي، قبل أن تضطر عائلته لإخراجه مع تصاعد الهجمات الصهيونية وخشية اقتحام المستشفى مجددًا.
وتضيف زوجته آية بصوتٍ مثقل بالألم: "جسده مليء بآثار العمليات.. كل يوم يزداد ألمه، ولا نملك سوى المسكنات القليلة".
في سبتمبر الماضي نزحت الأسرة إلى خيمة شرق دير البلح. هناك، تدهورت حالته مجددًا؛ انخفاضٌ حاد في الدم استدعى نقل وحدات دم متكررة، وتقرحاتٌ عميقة في الظهر والقدمين تحتاج إلى غيارٍ يومي وتقليبٍ مستمر، في ظل نقصٍ حاد في المستلزمات الطبية، حتى الكرسي المتحرك غير متوفر.
"يقضي يومه مستلقيًا لا يستطيع الحركة، وأحاول رعايته مع أطفالي الخمسة وسط ظروفٍ لا تُحتمل"، تقول آية، فيما يتناوب الأطفال على مراقبة والدهم بصمتٍ ثقيل، كأنهم يخشون أن يخذلهم الجسد مرةً أخرى.
ومع إصابته، فقد أحمد مصدر رزقه، فتضاعفت المعاناة الاقتصادية. الرطوبة داخل الخيمة تسببت بالتهابات صدرية لطفلهم الرضيع، فيما تتراكم الاحتياجات فوق طاقة الأسرة. وحدها فرصة السفر للعلاج الخارجي تمثل بارقة أمل حقيقية، قد تعيد له القدرة على الحركة والعمل.
وتختم آية بصوتٍ يغالب الدموع: "لا نريد معجزة.. نريد فقط أن يقف بين أطفاله من جديد".
في قصة أحمد تتقاطع إصابة الحرب مع قسوة النزوح والفقر، ويتحوّل الجرح إلى امتحانٍ يومي للصمود.
وبينما تتأخر القوائم وتطول ساعات الانتظار، يبقى الأمل معلّقًا على معبرٍ يُفتح وقرارٍ يُتخذ، يعيد رجلًا إلى قدميه، ويمنح خمسة أطفال فرصة أن يروا أباهم واقفًا لا ممددًا. فبين الألم الذي يسكن الجسد، والأمل الذي يسكن القلوب، تظل حياة أحمد رهينة لحظةٍ قد تعيد إليه الحياة.. أو تتركه أسير سريرٍ وخيمة.
سبأ

