السياسية || محمد محسن الجوهري*


رغم قناعتنا بأن هذه التفرقة من عمل الشيطان، إلا أن الحديث عن الفرق والمذاهب الإسلامية يملأ الآفاق، وفي بعض الأحيان ينبغي التوضيح حول بعض الفرق وما يناقضها بغرض تبيين الحق والباطل، وأي منها أقرب إلى الوحدة الإسلامية المفروضة عليهم جميعاً.

وبالنسبة للوهابية والأشعرية، فالصراع بينهما كبير، إلا أن الأخيرة لا تكفر أحداً بخلاف الأولى التي ترى أن أغلب المسلمين كفارٌ، وعملت على عرقلة أي جهود قد تفضي للوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله؛ وهم بذلك إنما يخدمون أعداء الله. ولذلك نرى مشايخ الوهابية يكفرون بالذات كل من يعادي الكيان الصهيوني، فيما يسارعون إلى الغرب وينادون بالتسامح معهم، ولنا في السديس أكبر شاهد على ذلك، فله تاريخ طويل في تكفير المسلمين، خاصة في اليمن بعد عدوان 2015، عندما أعلن في خطبة عرفة بأن الحرب طائفية، "وإذا لم تكن طائفية فسنجعلها طائفية" على حد وصفه.

لكنه هو نفسه من يتسامح مع الغرب ويصف المجرم ترامب بأنه قائد عظيم وسيقود العالم إلى مرافئ السلام، وهكذا دأبه ودأب كل وهابي في هذا العالم. والأسوأ أن لهم عداوة دفينة حتى برسول الله صلى الله عليه وآله، فنراهم يكفرون آل بيته وأبويه وعمه أبا طالب، فيما يرضون عن الوليد بن المغيرة والخطاب والد عمر، ويسمون أولادهم بأسمائهم رغم أن الاثنين ماتا على الكفر والعداوة الصريحة للإسلام والنبي.

بالمقابل، فإن الأشاعرة لهم مآثر عظيمة في حب النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام، وترى منهم أعلاماً بارزة اشتهرت بحبها للرسول وآل بيته، كالشيخ محمد متولي الشعراوي وغيره من أشعرية مصر وشمال أفريقيا، فهم فوق مستوى الشبهات وحريصون على الوحدة الإسلامية ويتجنبون زرع الفتن والعداوات بين المسلمين، ومما يتميزون به أيضاً إحياؤهم للمولد النبوي، وذلك من علامات الحب الصادق لخير البرية.

إلا أن هذه الطائفة العظيمة، وهي أكبر الطوائف الإسلامية من حيث الأتباع، تغفل الجانب الجهادي وتحذر من الحديث عنه، ولعل ذلك لتجنب الصراع مع الطواغيت؛ لكن تركها للجهاد ترك أثراً سيئاً في نفسيات معتنقيها وجعل منهم أمة مستضعفة يستعبدها الطغاة والحكام عبر الأجيال. وفي هذا العصر بالذات، وقعت هذه الطائفة تحت تأثير الهيمنة الصهيونية بسبب تصالحها مع الحكام الذين بدورهم ذهبوا للتطبيع وخيانة الأمة؛ ولذلك يتحمل علماء الأشاعرة مسؤولية كبيرة في تدجين الأمة لأعدائها، خاصة أنهم أهل دين وعلم ويعرفون الحق وأهله، ودعاوى الفتنة وعدم إثارتها لا تخدم حجتهم عندما يتعلق الأمر بالصراع مع العدو الصهيوني وأهل الكتاب عموماً.

ولذلك رأينا الشيخ الشعراوي، رغم علمه العظيم، يتراجع عن الكثير من الآراء السديدة لمجرد أن لا تثير ضده غضب الوهابية وأزلامها، كحديثه عن عذاب القبر الذي تعارض مع القرآن وتحدث بشأنه ثم تراجع عن ذلك، وكذلك الحديث عن فرعون بأنه اسم علم ولا يعبر عن سلالة حاكمة، وهو الرأي الذي اضطر لمراجعته بضغطٍ من الحكومة المصرية التي تقدس الفراعنة وترى بأن مصر فرعونية أكثر من كونها عربية مسلمة، في تثبيت للسردية التي جاء بها الاحتلال الإنجليزي لفصل البلاد عن محيطها العربي والإسلامي.

وهذا التصالح لم يحمِ هذه الطائفة الكبيرة، وها هي منابر الوهابية تنادي بقتالهم ليل نهار، وقد تحقق لهم ذلك في سوريا واليمن، حيث رأينا التكفيريين الموالين للخليج يقتلون الصوفية منهم ويهدمون أضرحتهم ومساجدهم، رغم علم الجميع بأنهم من أهل السنة ولا يشكلون أي خطر على أحدٍ من الناس، ولكنها النفسية اليهودية التي يحملها مشايخ الوهابية تجاه المسلمين عامة، بشيعتهم وسنتهم.

وإذا أحسنا التشبيه، فإن مثل الوهابية والأشاعرة كمثل الشيطان وآدم؛ فالأول يدعو الناس إلى الهلاك ولا يثنيه شيء عن ذلك، فهو مستمر في تدمير الإنسانية بدوافع الحقد والحسد والكراهية، فيما الأشاعرة أقرب إلى سيدنا آدم الذي أخبره الله بأن الشيطان له عدو ولكنه لم يتخذه عدواً فشقي جراء ذلك.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب