عائلات غزة في رمضان.. غيابٌ للبهجة وحضورٌ للمعاناة واستذكار لماضٍ أجمل
السياسية - تقارير / نضال عليان:
تجلس الحاجة زكية الغرابلي عند باب خيمتها في أحد مخيمات النزوح بقطاع غزة، في حالة حسرة وألم نتيجة الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون بسبب جريمة الإبادة والحصار والتجويع التي يرتكبها العدو الصهيوني منذ أكثر من عامين؛ وهي معاناة تكرّس الألم الفلسطيني الغزاوي خاصة في شهر رمضان.
مخيمات تفتقد لكل مقومات الحياة الأساسية. يخيم الجوع على سكانها خاصة مع فقدان العائلات الفلسطينية مصدر رزقها بفعل جريمة الإبادة والحصار الصهيونية.
عائلات تحاول استقبال رمضان بأي مظهر من مظاهر الاستعداد والبهجة، لكن ذلك بات بعيد المنال في ظل قسوة المعيشة وواقع غير مسبوق مثخن بالجراح بعد أن ألقت جريمة الإبادة الصهيونية بظلالها على شتى مناحي الحياة اليومية، وحوّلت شهر رمضان الفضيل من موسم للبهجة والعبادة إلى وقت للحزن والمشقة، ما حرم هذه العائلات من الاستمتاع بأجواء رمضان للعام الثالث على التوالي.
وخلال تجوال مراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، في أحد مخيمات النازحين بقطاع غزة، كانت الحاجة زكية الغرابلي (71 عام) تجلس عند باب خيمتها ووجهها ممتلئ بتعابير الحزن والألم تنتظر من يساعدها على تجاوز صروف الدهر الناجمة عن العدوان الصهيوني، خاصة في هذا الشهر الكريم.
حياة ينقصها الكثير
تقول الحاجة زكية: "احنا قاعدين في الخيم، والخيم هاذي نار في الصيف، وفي الشتاء سقعة. حياتنا هاذي مش حياة. سنتين ونص واحنا في هالحياة إللي بتبكي الحجر مش بالبشر بس".
وتضيف: "حياتنا ناقصة كثير. نفسنا نعيش زي ما كنا في دورنا. بدنا نعيش في دور مش في خيام. والله ناقصنا هنا كل إشي. إلنا أربعة أيام مافيش ميه مافيش كهربا مافيش نت. احنا قاعدين هنا زي الميتين. ميتين وقاعدين في هالخيام. وهذولا الخيم ربنا يريحنا منهن".
أقسى أيام
وتؤكد أنها لم ترَ مثل قساوة الأيام الحالية أبداً طوال حياتها، موضحة: "نعاني أيام قاسية جداً عمرنا ما شفناها. أنا عمري 71 سنة، في حياتنا ما شفنا مثل هالأيام هذه".
وتستذكر الحاجة زكية أيام شهر رمضان الكريم قبل العدوان الصهيوني على قطاع غزة قائلة: "وين رمضان? كنا قبل رمضان بيومين ثلاثة نروح عالسوق نجيب احتياجات رمضان ونملي الثلاجات. ننظف الدور، نجيب لنا المواعين ونغير المواعين بمواعين جديدة، ونعمل احتفالنا ونحط زينة في الدار ونضوي الدار كله وفرحانين وهالصغار حاملين فوانيس. لكن الآن ما فش إلنا حياة. الأطفال مش فرحانين. فوانيس رمضان بقت في الشوارع ما حدا قدر يشتريها. حياتنا عُدمت. نحنا انعدمنا خالص. يعني إحنا بس نظل نشكي. نشكي لله. نشكي لربنا هو اللي يوقف معنا".
وعند سؤالها عمّن يعولها، تقول الحاجة زكية والحسرة تكاد تخنق صوتها: "والله جوزي كان مريض كلى. ومن قلة العناية، وفي أيام المجاعة مات من قلة الغذاء. وصل دمه لخمسة. وكنا نحط له كل أسبوع وحدة دم. وبعض أيام نحصل وحدتين. مافيش أكل. مافيش شرب. والله مات من حوالي شهرين و إشي. كان في مستشفى الأقصى، وما فيش عناية في المستشفى. كانوا كل الناس اللي في الشمالي يجوا عالجنوب. وامتلأ مستشفى الأقصى بالناس. فبطلوا يعتنوا في المريض. فبدل ما كان يغسل ثلاث ساعات ونص صار يغسل ساعتين أو ساعتين إلا ربع. وكل يوم نروح نعمل له حالة طارئة. رجليه انتفخت. وبعدين توفى. وهو عالجهاز الله يرحمه".
وتختم حديثها لـ"سبأ" قائلة: "ربنا يجيب اللي فيه الخير ويبعد عنا اللي فيه شر. نأمل من الله أن تتحسن هالأحوال. ساعدونا يا أهل الخير".
اختفاء أجواء رمضان
وفي خيمة أخرى، تؤكد آمنة القريناوي افتقادها للأجواء الرمضانية التي كانت تعم أرجاء قطاع غزة قبل الإبادة الصهيونية قائلة: "والله للأسف مش شايفة أنه فيه أجواء رمضان. الوضع حزين جداً. ما فيش مصاريف مافيش حاجة. كل شي غالي. الأجواء صعبة جداً".
وتُعرِّج في حديثها لـ"سبأ" إلى رمضان قبل حرب الإبادة بالقول: "بالأول كان الواحد يحس بالأجواء، ونزين، ونجيب كل حاجة، للاستعداد لرمضان، وكان هناك بهجة وسعادة، أما الحين صعب ما فش إشي. كل إشي تعيس كل إشي حزين. للأسف الوضع صعب جدا. كل إشي بالغلاء والحاجات غالية كثير. وحتى الصغار يعني مش مبسوطين زي كل مرة. كنا نجيب لهم الفوانيس ونزين البيت. لكن الآن ما فيش إشي ولا نزين ولا فيه حاجة. الوضع صعب جداً للغاية".
حرب الإبادة الصهيونية حوّلت حياة العائلات في قطاع غزة إلى واقع مأساوي ومرير رغم صمودها التاريخي، وأصبح رمضان عبئاً ثقيلاً عليها، وسط صمت دولي وتخاذل عربي وإسلامي إزاء إحدى أبشع جرائم العصر الحديث، ورغم ذلك يتمنى أهالي غزة أن يأتي رمضان العام القادم وقد تحسنت ظروفهم؛ مؤكدين من خلال قصصهم أن صمودهم وحياتهم لن تنكسر أمام عدوان ظالم وصمت دولي يوازيه عدوانا وظلما.

