العرب والسود في عقائد أهل الكتاب
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل الحديث عن النصوص المقدسة لدى اليهود والمسيحيين فإن الوقائع تثبت جرأتهم الكبيرة على قتل العرب والسود إلى حد الإبادة الجماعية للنساء والأطفال بلا تمييز كما رأينا في غزة وقبلها في مناطق متفرقة من أفريقيا، حيث أُبيد السود على يد المستعمر الغربي دونما شفقة مما يؤكد أن شبقهم للقتل له دوافع عقائدية تبيح لهم إبادة من لم يكن على دينهم، خاصة العرب والأفارقة، فهم "الغوييم" أو الأميين في دين أهل الكتاب.
لقد اعتمد المستعمر الأبيض في أفريقيا على فكرة "التفوق العرقي" المدعومة بتأويلات دينية منحت القاتل صكاً مفتوحاً لإبادة ملايين السود، واعتبر أرواحهم مجرد قرابين في سبيل بسط السيطرة وتوسيع النفوذ. وهذا السلوك الإجرامي يتكرر بحذافيره في فلسطين، حيث يستحضر الاحتلال نصوص "العماليق" وشيطنة "الأغيار" لإباحة الدم الفلسطيني، معتبراً أن إبادة شعب بأكمله هي ضرورة دينية لتطهير الأرض المقدسة.
إن استهداف الرضع والنساء يمثل الركيزة الأساسية في إستراتيجية الإبادة، كونه يتجاوز القتل اللحظي إلى محاولة جراحية لقطع النسل واستئصال الجذور التاريخية للشعوب، لضمان مستقبل يخلو تماماً من وجود "الآخر". هذا الفعل الممنهج ينبع من قناعات دينية متطرفة تمنح القاتل حصانة روحية، وتصور له الضحية كعدو وجودي لا تجوز معه الرحمة، بل تجب إبادته كفعل مقدس.
لقد صاغ هؤلاء منظومة عقائدية "إلهها" يبارك المذابح ويمنح صكوك الغفران لمرتكبي المجازر، فاستحالت الجريمة في وجدانهم طقساً مقدساً، وتحول الذبح إلى وسيلة طاهرة لتحقيق نبوءات سياسية مغلفة بالدين. إنهم يسعون من خلال سحق الأمهات والأطفال إلى تدمير الحاضنة الشعبية وتيئيس الأجيال القادمة، محولين نصوصهم المكتوبة إلى قذائف تمحو القرى والمدن، انطلاقاً من رؤية ترى في فناء العرب والسود "شرطاً شارحاً" لسيادة عرقهم أو دينهم، مما يجعل من الدماء المسفوكة وقوداً لقطار أطماعهم التوسعية التي لا تعترف بقدسية الحياة لغير المنتمين لملتهم.
وعلى هذه العقيدة يتم تدريب الجنود الصهاينة على الإبادة عبر عملية سيكولوجية معقدة تبدأ بـ "تجريد الضحية من إنسانيتها"، حيث يتم غسل دماغ الجندي وتلقينه بأن العربي هو "حيوان بشري" أو "آفة" أو "عدو للرب" يجب استئصاله لتطهير الأرض. ويُحاط الجندي ببيئة أيديولوجية ترى القتل وتُحوله إلى "واجب مقدّس" أو "ضرورة وجودية" لحماية بقائه وعرقه، ومع تكرار ممارسة العنف وتدريبات المحاكاة التي تستهدف نماذج تمثل المدنيين والرضع، تنكسر لديه الحواجز الأخلاقية الفطرية ويحل محلها "التبلد الشعوري".
هذا المسار التحويلي يضمن تحويل الإنسان إلى آلة صماء تنفذ المجازر بدم بارد، مدفوعة بوعي مزيف يرى في دماء النساء والأطفال مجرد "أضرار جانبية" أو "قرابين" ضرورية لتحقيق نبوءات سياسية أو أهداف إستراتيجية عليا، مما يجعل الجندي يشعر بالفخر والنشوة بدلاً من العار أثناء ارتكاب أبشع صور الإبادة الجماعية.
وكذلك كان حال السود وقبلهم الهنود الحمر في أميركا الشمالية، فقد تعامل معهم المستعمر الأوروبي كمخلوقات لا قيمة لها ولا إنسانية، ولا مانع في إبادتها والتخلص منها في حال تطلبت ذلك رفاهية الرجل الأبيض.
إن وحدة المصير بين ضحايا الاستعمار في أفريقيا وضحايا الصهيونية في فلسطين تؤكد أن العدو واحد، وأن منطلقه الفكري يستند إلى تجريد "غير اليهودي" أو "غير الأبيض" من حقه في الحياة. وهذا الشبق للقتل يكشف زيف شعارات حقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب، ويؤكد أن السلاح الذي يحصد الأرواح في غزة هو ذاته الذي أباد الشعوب الأفريقية، محركاً بدوافع عقائدية إقصائية لا تؤمن إلا بحق القوي في سحق الضعيف باسم السماء.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

