السياسية- تقرير :


يتقاطع الإعلان عن تشكيل إدارة لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة والبدء بالمرحلة الثانية لخطة اتفاق وقف إطلاق النار، مع التحضيرات التي تجريها حالياً الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني لشن عدوان جديد على إيران.



ففي الوقت الذي تحشد فيه واشنطن قواتها وجحافلها العسكرية صوب إيران، ويطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الكيان الصهيوني، مجرم الحرب المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، بنيامين نتنياهو، تهديداتهما بشكل مستمر بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، يعلن ترامب وإدارته عن البدء في دخول خطة اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلتها الثانية وتشكيل لجنة إدارة غزة.



هذا التزامن يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف الأمريكية، وحدود استخدام الخطاب الإنساني كغطاء لمشاريع سياسية وعسكرية كبرى في الإقليم والمنطقة.


عناوين إنسانية لإشعال المنطقة


في الواقع، لم يكن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن بدء تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خطوة معزولة أو إنسانية خالصة، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع التحضيرات العسكرية الأمريكية الصهيونية لتصعيد واسع ضد إيران.



ليس السؤال المطروح اليوم هو كيف ستدار غزة بعد الحرب، بل لماذا يعاد فتح ملف الإدارة الآن تحديداً، وفي هذا التوقيت الإقليمي المتفجر، ولماذا يُعاد تسويق العناوين الإنسانية ذاتها كلما كانت واشنطن على وشك إشعال جبهة جديدة؟



الإعلان الأمريكي عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم يأت في فراغ سياسي ولا يمكن قراءته بمعزل عن الاستعدادات العسكرية المتزامنة لتوسيع المواجهة مع إيران، ما يضع هذا الإعلان منذ لحظته الأولى في دائرة الشك، لا حسن النية.


تحشيد أمريكي ضخم واستعداد إيراني


في هذا السياق، يوضح الأستاذ المحاضر في الحضارة الأمريكية بجامعة كان في فرنسا، الدكتور توفيق جبالي، في تصريح لموقع "فرانس 24" أن من بين التعزيزات الأمريكية التي تم إرسالها أكبر حاملة طائرات في العالم (يو إس إس جيرالد آر. فورد) وأسطول جوي هام يتضمن أحدث الطرازات مثل إف 35 وإف 22 وإف 16 وإف 15، مؤكداً أن هذه القدرات المهولة وضعتها واشنطن في المنطقة تحضيراً لاندلاع حرب أو شن ضربة عسكرية ضد إيران.

ويشير الدكتور جبالي إلى أن الولايات المتحدة أرسلت حاملتي طائرات إلى المنطقة، تتمركز إحداهما منذ الأحد الماضي وهي يو إس إس أبراهام لينكولن، التي تحمل نحو 80 طائرة من طراز إف-35 وإف-18، على بعد حوالي 700 كيلومتر عن السواحل الإيرانية، وفق ما أظهرت صور عبر الأقمار الاصطناعية، فيما أكد ترامب أن جيرالد فورد ستبحر "قريبا جدا" نحو المنطقة.



من جانبه، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي والمحلل السياسي الأردني عمر الرداد، في تصريح مماثل، أن الانتشار الأمريكي قرب إيران "بات يحصي حوالي 300 طائرة حربية من طرازات مختلفة أبرزها إف 35 الشبحية، بالإضافة إلى قاذفات بي 2 وطائرات التشويش الإلكتروني، مسندة أيضا بمنظومات كبيرة من صواريخ الدفاعات الجوية وأبرزها باتريوت وثاد".



ويلفت الرداد إلى أن للقوات الأمريكية في المنطقة حوالي 40 ألف جندي موزعين على نحو 19 قاعدة عسكرية غالبيتها في دول الخليج والعراق.



كما تعمل واشنطن على تعزيز قواتها في مناطق قريبة من إيران التي تعهدت من جهتها بالرد على أي هجوم باستهداف المواقع العسكرية الأمريكية بالمنطقة، وباستهداف الأسطول الأمريكي المرابض قبالة سواحلها واستهداف المصالح الأمريكية بالمنطقة.



والإثنين الماضي، باشر الحرس الثوري الإيراني مناورات في مضيق هرمز، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.



وذكر الحرس الثوري الإيراني أن هذه المناورات تهدف للاستعداد لمواجهة "التهديدات الأمنية والعسكرية المحتملة" في المضيق الاستراتيجي لحركة الملاحة البحرية، خصوصا عبور النفط والغاز الطبيعي المسال.



وشدّد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الجمعة، على أنه لا يوجد حل عسكري لبرنامج إيران النووي السلمي، مشيراً إلى أنه تعرض الى هجمات واسعة ضده ولم تتمكن من القضاء عليه.



وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة "إم إس إن بي سي" الأمريكية، إن الطريق الوحيد لحل مسألة البرنامج النووي الإيراني والتأكد من بقائه سلمياً هو التفاوض والحل الدبلوماسي، وفقاً لما نقلته قناة الجزيرة.



وأوضح أن إيران طورت برنامجها النووي بنفسها وبجهود علمائها ولا يمكن تدميره بالقصف أو بالإجراءات العسكرية.



وأشار الى ان الإدارات الأمريكية السابقة والحالية جربت كل شيء ضد إيران من حرب وعقوبات وغيرها لكنها لم تحقق أي نتيجة، كاشفاً عن أن طهران تبحث مع أمريكا اتخاذ إجراءات لبناء الثقة بشأن برنامجها النووي وكذلك رفع العقوبات.


رسالة أمريكية مزدوجة


وبنظرة معمقة، تتضح الصورة أكثر حول تزامن الإعلان الأمريكي عن تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة ودخول المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار في القطاع مع التحضيرات الأمريكية والصهيونية للحرب ضد إيران، إذ لم تكن هذه الترتيبات بريئة، ولا محايدة، ولا منفصلة عن مشاريع كبرى لإعادة هندسة الجغرافيا والوعي معاً. واليوم، تعود هذه الوصفة في غزة، لكن في سياق أكثر خطورة، حيث تتقاطع مع صراع إقليمي مفتوح، ومع سعي أمريكي واضح لتبيض صورة الكيان الصهيوني وكسر عزلته الدولية.



بمجمل هذه التحركات، توجه الإدارة الأمريكية رسالة مزدوجة، حيث تقول إنها تتحرك لتحسين الواقع المعيشي في قطاع غزة عبر آلية جديدة، تتمثل في تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الشؤون الحياتية. وهي بهذا الخطاب، تحاول نزع أي إلهام بازدواجية المعايير، وتقدم نفسها كوسيط إنساني في غزة، في الوقت الذي تشرعن فيه عدواناً محتملاً على إيران بذريعة "حماية الشعب الإيراني".



وبذلك يتضح بجلاء أن الخطاب الإنساني الذي تستخدمه الإدارة الأمريكية في غزة هو ذاته الذي اُستخدم سابقاً في العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، ويُعاد اليوم توظيفه ضد إيران.



التزامن بين الإعلان عن المرحلة الثانية لاتفاق غزة والتحضير للعدوان على إيران يكشف منطقا واحدا: استخدام الخطاب الإنساني لتغطية مشاريع عسكرية وسياسية كبرى.


السياق الأوسع.. من غزة إلى إيران


وبنظرة تحليلية في سياق أوسع يتضح أن الجامع المشترك والهدف من التحركات الأمريكية والصهيونية، هو تدمير البنى السياسية للمقاومة، وإعادة تشكيل المنطقة وفق موازين القوة الأمريكية الصهيونية، وكسر العزلة الدولية عن الكيان الإسرائيلي عبر تسويق "مبادرات إنسانية".



في المقابل، تؤكد التجارب أن كل محاولات نزع سلاح قوى المقاومة فشلت، سواء في لبنان أو اليمن أو إيران، ما يجعل الرهان على تكرار السيناريو في غزة رهاناً خاسراً.



ولذلك، فإن ما يجري في غزة لم يعد قابلا للفصل عن خرائط الصراع الكبرى في الإقليم، ولا عن مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت عباءة "الإنقاذ الإنساني".



فالتزامن الفج بين الإعلان عن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وبين التحضيرات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية لتوسيع المواجهة مع إيران لا يعكس صدفة دبلوماسية ولا حسن نية سياسية، بل يكشف عن منطق واحد يحكم المشهد؛ استخدام المعاناة كأداة، والدم كغطاء، والإعمار كسلاح ناعم لتصفية القضايا لا حلها.


جرس إنذار للعرب والعالم الإسلامي


ووفق تقرير تحليلي للباحثة شيماء بهاء الدين، نشره مركز الحضارة للدراسات والبحوث، فإن ما كشفته الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران منتصف العام الماضي، ليس بالهين؛ فهي ليست اشتباكات عابرة بين أطرافٍ إقليمية، وإنما هي جرس إنذار ليس لإيران فقط، وإنما للعرب ومن ورائهم العالم الإسلامي أجمع. ذلك أنها جاءت لتقول إن العدو الصهيوني يرى ما لا تراه الكثير من دول العالم الإسلامي من عوامل ضعفها وثغرات أمنها القومي التي أربكت سياساتها الإقليمية، فكان العجز عن صياغة استراتيجيات جامعة حتى في أوقات الأزمات.
سبأ