مع الجهود السعودية لتدمير "إسرائيل"
السياسية || محمد محسن الجوهري*
من يتابع الإعلام السعودي هذه الأيام، وهو يكيل التهم للإمارات بالعمالة للكيان الصهيوني، فلن يساوره شك بأن النظام السعودي يمثل قلب محور المقاومة في معاداة الكيان، والداعم الأول لفصائل المقاومة الفلسطينية وأولها حركة حماس. وقد يظن المتابع لوهلة بأن آل سعود هم فعلاً حماة الأمة ورجالها في كسر الغطرسة الأمريكية بالمنطقة، لكن هذه العنتريات الإعلامية المؤقتة للسعودية لن تصمد طويلاً، وستتلاشى أمام تغريدة لأصغر موظف في السفارة الأمريكية في الرياض.
ولكنها تبقى طفرة إيجابية تكشف لنا عن بقايا رجولة في أعماق أعماق النظام السعودي، وأن ثمة أملاً، ولو بنسبة واحد بالمئة مليون، بأن المملكة ستدعم الشعب الفلسطيني وستكون عدواً لدوداً للكيان وسبباً في زواله يوماً ما. ولذلك ينبغي التركيز على هذه الفترة ودراسة كل ما يصدر فيها من الإعلام والمواقف السعودية؛ لأنها فترة قلما نجد مثلها، فهي من النوادر في التاريخ السعودي المعروف بعمالته المطلقة للصهيونية العالمية.
ولعل مقالات الدكتور أحمد بن عثمان التويجري هي أهم ما نتج عن الإعلام السعودي وأكثر ما لفت القراء، وكانت لها أصداء واسعة في المنابر السياسية والإعلامية داخل وخارج العالم العربي. وكان مقاله الأول الذي حمل عنوان: "الإمارات التي في قلوبنا" ثورة ضد كل ما هو مألوف عن السياسة السعودية؛ فقد اتهم الإمارات بتنفيذ أجندات صهيونية في العالم العربي تشمل التفكيك وإثارة الحروب الأهلية والطائفية، وأن تلك المؤامرة تشمل حتى السعودية التي كان لحكامها الفضل الأول في تأسيس دولة الإمارات وإقناع شاه إيران بالسماح بقيام الاتحاد.
وفي مقاله الأخير بعنوان: "جنايات أبو ظبي في حق الأمة.. شموس الحق لا يحجبها غربال"، أسهب التويجري في فضح التآمر الصهيو-إماراتي، وسرد الكثير من التطابق بين المخططات الصهيونية المعلنة والتحركات الإماراتية على الأرض، بدءاً من اليمن مروراً بالصومال والسودان وحتى ليبيا وتونس في المغرب العربي. وكان من بين التهم التي تخص اليمن، استقدام الإمارات لمرتزقة من السودان للقتال في البلاد ضد الشعب اليمني، إضافة إلى استئجار خبراء عالميين لتنفيذ اغتيالات ممنهجة في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف العدوان، ومن بينها عدن.
المضحك في الأمر أن التويجري يورد تلك الأحداث مستنداً إلى مصادر إعلامية غربية، وكأن المملكة لم تكن شريكاً في كل المخططات الإماراتية التي جاءت إلى اليمن بطلب علني من الرياض، وكأن الدعوات الانفصالية التي تتبناها أبو ظبي لم تظهر للعلن إلا أواخر العام 2025، تاريخ المواجهة المباشرة بين قطبي العدوان على اليمن.
لقد تأسس المجلس الانتقالي في العام 2017، وقبل تأسيسه كان المرتزق عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن بين عامي 2015 و2017، بأمر من حكومة المرتزق عبد ربه منصور هادي التي مقرها الرياض، وقد رفع هو ورفاقه العلم الانفصالي منذ أول ظهور إعلامي له، ولم يسبق أن كان في يومٍ من الأيام من مؤيدي الوحدة. وقبول السعودية به وبمجلسه الانفصالي على مدى عشر سنوات يؤكد أنها، من حيث المبدأ، مع مؤامرة تقسيم اليمن، ولكن الخلاف كان في التفاصيل.
أما عن عمالة الإمارات للكيان وتآمرها على الشعب الفلسطيني، فإن الأمر ينطبق على آل سعود قبل آل زايد، ويكفي أن عمالة حكام الإمارات جاءت متأخرة وارتبطت بالمجرم محمد بن زايد الذي هيمن على السلطة منذ نحو عقد ونصف، وقد تنتهي الخيانة الإماراتية بانتهائه، فيما العمالة السعودية منهج تؤمن به العائلة المالكة ويعتبر شرطاً أساسياً للحكم وميداناً للتنافس بين أفرادها؛ فالعرش من نصيب من يقدم أكثر للمشاريع الصهيونية، ولهذا تغلب بن سلمان على بن نايف.
ولنعتبر الحديث عن عمالة آل سعود للصهاينة مجرد ترهات إعلامية، فالواقع يكشف الكثير؛ ويكفي أن أي تعاطف علني على أرض الحرمين ينتهي بصاحبه إلى السجن أو الترحيل، وأن الصهاينة يتجولون في البلاد بطولها وعرضها، فيما المسلم الفلسطيني يتعرض للقمع والمنع إذا صارح بعدائه للكيان أو أرسل بعض الدعم المالي لأسرته في وطنه المحتل.
في المحصلة، يتبين أن المشادات الإعلامية بين الرياض وأبوظبي هي "صراع إخوة أعداء" على نفوذ إقليمي ضمن مظلة التبعية ذاتها. ومحاولة تصوير النظام السعودي لنفسه كعدو للصهيونية هي مجرد مناورة تكتيكية لتلميع صورة تآكلت بفعل سنوات من التطبيع الصامت والمشاركة في تدمير مقدرات الأمة في اليمن وغيره. فالحقيقة التي لا يحجبها غربال الإعلام هي أن كلا النظامين يمثلان وجهين لعملة واحدة؛ أحدهما يمارس العمالة بفظاظة وعلانية، والآخر يمارسها بمنهجية تاريخية متجذرة، وكلاهما يسير في خط متوازٍ يخدم بقاء الكيان الصهيوني.
ولعل الرهان على "بقايا رجولة" أو تغير في النهج السعودي تجاه فلسطين هو رهان على سراب، ما لم تتحرر سياسة المملكة من قيد "العرش مقابل الخدمة"، وما لم يعد الحرمين الشريفين منطلقاً لنصرة قضايا الأمة بدلاً من كونهما ساحة لسجن المتعاطفين معها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

