الحرب الإيرانية الأمريكية… بين التهويل والتعويل
كيان الأسدي*
ليس خافياً على من يراقب كواليس السياسة في المنطقة أن شبح المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة لم يعد مجرد عنوان إعلامي، بل بات ورقةً تُلوَّح بها في موازين القوى، وأداة ضغطٍ تتجاوز حدود إيران لتطال خرائط المنطقة بأسرها. فالحديث عن حربٍ محتملة لا يُقرأ فقط في سياق عسكري، بل في سياق إعادة تشكيل النفوذ، وصياغة التحالفات، ورسم صورة «الشرق الأوسط الجديد» في نسخته القادمة.
ثمة من يترقب نتائج أي مواجهة إن وقعت كما يترقب مقامرٌ لحظة إعلان الأرقام الأخيرة؛ فهناك من يعوّل على حربٍ قد تعيد ترتيب الطاولة بما يخدم حساباته الضيقة، أو يفتح له نافذةً للالتحاق بركب المنتصر. والبعض الآخر يرى في احتمالية الحرب فرصةً للاندماج في مشاريع يُعاد طرحها تحت مسميات جديدة، من «الشرق الأوسط الجديد» إلى نماذج حكمٍ تُقدَّم باعتبارها الصيغة المثلى للاستقرار.
وفي هذا السياق، لم يخفِ ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري في الكونغرس الأمريكي، حديثه عن رغبة بلاده في إعادة تشكيل المنطقة على شاكلة النموذج الإماراتي، الحليف لــ"إسرائيل"، مع استبعاد النموذج الإيراني من معادلة القيادة الإقليمية. تصريحٌ كهذا لا يُقرأ باعتباره رأياً فردياً، بل مؤشراً على توجهات داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، حيث يُطرح السؤال بصراحة: أي نموذجٍ سيُكتب له البقاء، وأي مشروعٍ سيُدفع إلى الهامش؟
من هنا، تتكدس الملفات المعلقة في أكثر من عاصمة، بانتظار ما ستسفر عنه لحظة الحسم. فهناك من يرى في اندلاع الحرب تحقيقاً لطموحاتٍ سياسية مؤجلة، أو فرصةً لتصفية حساباتٍ داخلية تحت مظلة صراعٍ أكبر. وكأن المنطقة بأسرها تقف على عتبة انتظار، بين من يهوّل بخطر المواجهة ليحصد مكاسب تفاوضية، ومن يعوّل على وقوعها ليُعيد رسم موقعه في الخريطة المقبلة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل ستظل الحرب أداة تهويل وضغط، أم أنها ستغدو واقعاً مفروضاً؟ لقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه أنهى سبع حروب، غير أن حديثه عن احتمال اندلاع «الحرب الثامنة» يوحي بأن باب التصعيد لم يُغلق بعد. بل إن هذا الخطاب يعكس رغبةً في صياغة اتفاقٍ يُرضي الداخل الأمريكي، ويُقدَّم بوصفه إنجازاً تاريخياً، لا سيما إذا تضمّن الشروط الإسرائيلية الثلاث: صفر تخصيب، وضبط المدى الصاروخي، ومعالجة ملف الحلفاء – أو ما يُسمّى في الأدبيات الأمريكية والإسرائيلية «الوكلاء».
في المقابل، تبدو طهران متمسكةً بسقفها التفاوضي، غير آبهةٍ بالتحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة. وقد أشار المبعوث الأمريكي ويتكوف إلى دهشة ترامب من عدم رضوخ إيران رغم كل مظاهر القوة والاستعراض العسكري، وهو ما يكشف عن امتعاضٍ داخل الإدارة الأمريكية من صلابة الموقف الإيراني. غير أن هذا التحشيد، الذي أُريد له أن يكون أداةَ ضغطٍ لانتزاع تنازل، قد يتحول إن لم يُترجم سياسياً إلى ورقةٍ مستهلكة تتلاشى فعاليتها بمرور الوقت.
هكذا تقف المنطقة بين مشهدين: مشهد التهويل الذي يُستخدم لتحسين شروط التفاوض، ومشهد التعويل الذي ينتظر انفجاراً يعيد تشكيل التوازنات. وبينهما، يبقى الاحتمال مفتوحاً على كل السيناريوهات؛ فالحروب الكبرى لا تندلع دائماً بإرادة طرفٍ واحد، كما أن كثيراً من المواجهات تبدأ بخطابٍ ناري وتنتهي بتسويةٍ باردة.
فهل تكون المواجهة مجرد فصلٍ جديد في حرب الإرادات، أم أن المنطقة على موعدٍ مع تحوّلٍ عميق يعيد رسم خرائط النفوذ؟ ذلك ما ستكشفه الأيام، بين حسابات السياسة وحدود القوة، وبين من يراهن على النار… ومن يخشى اتساعها.
* كاتب عراقي
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

