السياسية || محمد الفرح*

ليس جديدًا علينا ولم يفاجئنا ما قاله "هاكابي" السفير الأمريكي لدى العدو.
بالعكس كان شهادة واضحة لصوابية المشروع القرآني، وصحة ما تحركنا على أساسه ونادينا به لأكثر من أربعة وعشرين عام.
القصه بدأت نهاية عام 2001م حينما أطلق الشهيد القائد مشروعه القرآني في يوم القدس العالمي، ونادى الجميع أن يدركوا خطر الهجمة الأمريكية الشاملة، ونتائجها السلبية على فلسطين والأمة، وأن يعوا أساليبها التي تتجاوز المواجهة العسكرية، إلى كل المجالات السياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية، وخطورة حربهم التي تستهدف الأمة بجميع مكوناتها وفي مختلف المجالات الحضارية.
ثم قدم تشخيصًا لواقع الأمة، وحدد مواطن الخلل الثقافية والفكرية والسياسية، وكشف الثغرات التي اخترق العدو من خلالها ساحتنا الداخلية، واستفاد منها ربما بنسبة 90% في صراعه معنا، كما قدم مراجعة شاملة ونقدًا لكل الأخطاء في التراث الإسلامي، بما فيه تراثنا وحاكمها إلى القرآن الكريم، المنهج المقطوع بصحته والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، باعتبار تلك الأخطاء جزءً من المشكلة وسببًا من أسباب التخلف والذلة والتفرق والضعف.

ناقش خطورة الولاء للأعداء كخطر يحول أبناء الأمة بأنظمتها وشعوبها ونخبها وأحزابها وإمكاناتها إلى أدوات تخدم المشروع الإسرائيلي والأمريكي فيما يضر نفسها وفيما يخلخل بنيانها ويضعف قوتها، فالولاء ينتج عنه الخيانة ويصنع التبعية وتغيب معه حالة الاستقلال والحرية والهوية.
كان تشخيصه للمشكلة تشخيصًا قرآنيًا دقيقًا، وكان تقييمه للفئات والأحزاب تقييمًا موضوعيًا وغير متأثر بالمؤثرات الطائفية والعنصرية والمذهبية، وتجاوز فيه كل الأطر والحدود الجغرافية والسياسية وكل القيود التي صنعها الأعداء ونتجت عن الأخطاء الثقافية الداخلية.

لم يتوقف عند التشخيص النظري ولا عند التقييم المجرد، بل قدم من القرآن الكريم حلولاً ناجعة ومضمونة النجاح وحتمية الانتصار؛ لأنها مسنودة بالعون الإلهي وبالقوة الكبيرة من الله الذي وعد أن يقف مع من يهتدون بهداه وينطلقون بأسس صحيحة؛ لأنه الحي القيوم في كل زمان ومكان.
كان من أبرز ما طرحه الشهيد القائد مسألة "كيف نتولى الله لنحقق الغلبة؟" على ضوء قول الله تعالى: "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون".
وفي هذا الإطار قدم دروس معرفة الله من القرآن الكريم وبأسلوب قرآني مؤثر في النفوس، يصنع الثقة العالية بالله والخوف منه والمحبة له، ويبعث الأمل والرجاء في وعود الله، ويصنع في الإنسان توكلاً على الله ويقيناً بوعوده.

و في كل ما قدمه يشد الناس إلى الأنبياء وإلى أعلام الهدى، كقادة وقدوة وهداة، ويشد الناس إلى القرآن الكريم باعتباره كلام الله وفيه الهدى الذي يهدي للتي هي أقوم، وفيه الحلول لكل معضلات الحياة، وهو المنهج الذي يواكب الأحداث، ويزكي النفوس ويعزز الفطرة وينمي القيم ويربي على مكارم الأخلاق، ويصنع المعنويات العالية، ويتضمن الرؤية الحقيقية والواقعية عن الحياة وعن العدو، وفيه الحلول والإرشادات الحكيمة، وكل المتطلبات التي يحتاجها الناس في صراعهم مع الأعداء.

كما دعا الناس بدعوة القرآن إلى التوحد ونبذ الفرقة والاعتصام بحبل الله، وحذّر من خطورة التفرقة سواء تحت عناوين دينية أو سياسية أو تحت أي عنوان، فالقرآن الكريم أكد على هذه المسألة كنقطة قوة للأمة ومرتكزًا أساسيًا للقيام بمسؤوليتها ودورها في قول الله تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".

ثم من خلال ما قدمه، وهو منطق القرآن، دفع بالناس إلى أن يتحملوا مسؤولياتهم في إقامة القسط وإحقاق الحق ومواجهة العدوان والسعي إلى تحقيق العدالة وإزالة الظلم وهيمنة الأعداء على الأمة كأمة، وإزالة الظلم من الأنظمة ضد شعوبها، والظلم حتى على المستوى الفردي.
مؤكداً على أهمية الحرية واستعادة الكرامة واستقلال القرار السياسي، وكل ذلك لن يتحقق الا في ظل العبودية لله.

كما أكد بأن الخطر هو في التخاذل وفي القعود وفي الاستسلام وفي التفريط، وأن من المهم جدا أن يتحرك المسلم ويجاهد في سبيل الله ويلتزم بتوجيهات الله وأوامره التي أخذت مساحة واسعة في صفحات القرآن الكريم، وهي تحثنا على الإعداد والأمر بالمعروف والإنفاق والتضحية بالنفس والمال من أجل الله وفي سبيله وعلى أساس هداه.

وفي هذا السياق اطلق الصرخة شعار البراءة الشهير كمشروع عملي وتعبوي يربي الناس على السخط والعداء ويوقضهم من الغفلة تجاه عدوهم الحقيقي، أمريكا وإسرائيل ويصنع في الساحة منعة وحصانة من الخيانة ومن الولاء للأعداء.
وفوق ذلك هي موقف أمام الله تُعلن فيه البراءة من أعدائه، وتكسر أي محاولة لإسكات الناس عن فضح العدو وكشف مؤامراته وإجرامه، ويحفز الناس إلى الإنتاج والإبداع والعمل على الاكتفاء الذاتي.

دعى أيضاً إلى المقاطعة لبضائع الأعداء باعتبارهم يستخدمون العقوبات الاقتصادية كسلاح فعّال ومؤثر يمكن أن نستفيد منه في صراعنا معهم، فنحن في النهاية أسواق لمنتجاتهم، ومواردنا هي المواد الخام التي يستفيدون منها، وهم يحاربوننا ويقتلون أبناء أمتنا ويحتلون شعوبنا بأموالنا، وفيها رضا لله تعالى.
وكل ما قدمه يصب في مصلحة الأمة وليس في مصلحة فئة معينة، وبما يبني الأمة ويقدم لها الوعي اللازم بخطورة المؤامرات التي تُحاك ضدها، وبما يعيدها إلى الاعتصام بالله تعالى.

اليوم وبعد ما يقارب 25 عامًا من الصراع والمواجهة ومحاولة وأد هذا المشروع بكل السبل، لم يتوقف عملاء أمريكا لحظة واحدة في إعلامهم ومنابرهم الإرشادية وحتى في مناهجهم الدراسية. ولم تتوقف الحروب والحصار والقتل والتآمر ضد أبناء هذه المسيرة، إلا أنها كانت بتوفيق الله وعونه نمت وظهر أمر الله وهم كارهون.

واليوم من جديد ننادي الناس بالعودة إلى القرآن الكريم، وفي شهر القرآن الكريم ندعوهم إلى الاطلاع على ملازم ودروس من هدي القرآن الكريم للشهيد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، وتفهم ما ورد فيها، ففيها الحل وفيها المخرج وفيها كل ما تحتاجه الأمة اليوم.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* رابط التغريدة:
https://x.com/MohammedAlfrah/status/20260544078973...