السياسية || محمد محسن الجوهري*

اعتدنا أن نرى دول الخليج في خدمة المشروع "الصهيو-أميركي"، سواء كان ذلك بشكل مباشر، كما هو حال الإمارات في العقد الأخير، أو بمعاداة من يعادي إسرائيل، كما هي سياسة السعودية وقطر منذ الأيام الأولى لتأسيس النظامين في الرياض والدوحة. ولعل الشاهد الأبرز هو موقفهم من العراق؛ فقد ساندوه في حربه ضد إيران بعد أن أعلنت الأخيرة عداءها للكيان، في حين وقفوا ضده في حربه ضد أميركا وإسرائيل.

وبما أن السعودية اليوم باتت جزءاً من المؤامرة، حيث إن نصف مساحتها تقريباً يقع ضمن مخطط "إسرائيل الكبرى"، فستكون هذه -ربما- المرة الأولى التي نرى فيها "آل سعود" خارج المشروع الصهيوني، والسبب معروف وواضح. لكن ما هو الوضع بالنسبة لقطر والإمارات؟ فهما خارج المخطط الجغرافي للمشروع، ولهما عداواتهما الخاصة مع النظام السعودي، ومن الطبيعي للنظامين الوقوف إلى جانب تفتيت المملكة، ولكل منهما فلسفته الخاصة لتبرير ذلك الدعم.

فليس هناك بلد خليجي إلا ولديه نزاع حدودي مع السعودية، وفي الأغلب تكون السعودية في موقع المعتدي؛ فقد صادرت أراضي إماراتية منها "حقل الشيبة" النفطي، كما تحتل "خور العديد" القطري، وحوله وقعت معركة "الخفوس" بين الجيشين القطري والسعودي، وانتهت باحتلال الأخير لأراضٍ قطرية بعد أيام من القتال، إضافة إلى دعم الرياض محاولة انقلاب فاشلة بهدف الإطاحة بأمير دولة قطر آنذاك، حمد بن خليفة آل ثاني.

ومؤخراً، نشبت العديد من الأزمات بين الرياض وجيرانها الخليجيين، ومنها الأزمة الراهنة مع الإمارات، وقبلها أزمة مماثلة مع قطر. وعادة ما تستقوي السعودية بنفوذها الغربي لسحق خصومها في الخليج، وهو الأمر الذي دفع الجميع إلى الذهاب أبعد في العمالة للصهاينة؛ ولذلك فإن المتوقع هو مساندة "آل نهيان" و"آل ثاني" لمشروع إسرائيل الكبرى، وسيحصلون بموجب ذلك على مساحات واسعة من الأراضي السعودية في حال سقط نظامها السياسي. وحتى لو لم يسقط، فإن خسارته لنصف مساحته تشجع جيرانه على استعادة ما خسروه في العقود الماضية.

إن التحول في السياسات الخليجية هو نتاج عقيدة سياسية ترى في التقرب من المشروع الصهيوني "صمام أمان" للبقاء في السلطة. فبينما كانت الرياض تمارس دور "الشرطي" في المنطقة لعقود، وجدت الدوحة وأبو ظبي في الارتماء الكامل في أحضان الصهيونية العالمية وسيلة لكسر الهيمنة السعودية التقليدية. هذا السباق نحو كسب رضا "تل أبيب" حوّل العمالة من مجرد تنسيق أمني مستتر إلى "فلسفة وجودية" تتجاوز الأخلاق القومية والدينية، لتصبح الغاية الوحيدة هي الحفاظ على العروش ولو كان الثمن تمزيق الجغرافيا العربية.

لقد لعب النظام السعودي لعدة عقود دور "الشرطي المطاع" للمصالح الأميركية في المنطقة، فكان الأداة الضاربة لسحق القوى المتحررة، والممول الرئيس لسياسات واشنطن التدميرية من أفغانستان إلى العراق وسوريا. غير أن قواعد اللعبة الصهيونية لا تعترف بـ "جميل الوكلاء"؛ فاليوم تجد الرياض نفسها وقد تحولت من "حارس للمشروع" إلى "ضحية له"، حيث تمددت أطماع "إسرائيل الكبرى" لتلتهم الجسد الجغرافي السعودي الذي طالما قدم الخدمات المجانية للكيان. هذا التحول التراجيدي يضع آل سعود أمام حقيقة مرة: أن الإخلاص للمستعمر لا يمنح حصانة من مخالبه، وأن من ساعد في هدم بيوت جيرانه بالأمس، يجد اليوم أن معاول الهدم الصهيونية قد بدأت بالفعل في تقويض أركان بيته وتفتيت خارطته.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب