رمضان غزة.. إفطار على حافة النار
غزة ـ السياسيـة: تقرير//
في غزة، لا يُقاس اقتراب المغرب بدقائق الأذان، بل بعدد المحاولات لإشعال نارٍ لا تبتلع الخيمة.هنا، لا تسبق رائحة الشوربة موعد الإفطار، بل يسبقه دخانٌ كثيف يختنق به الأطفال.
رمضان هذا العام لا يأتي بالفوانيس ولا بالطمأنينة، بل يأتي محمولًا على أكتاف أمهاتٍ يبحثن عن حفنة ماء، وكسرة خبز، وموقدٍ لا يتحول إلى كارثة. في خيامٍ مهترئة، يُعاد تعريف الصبر كل مساء، ويُختبر معنى الأمومة تحت سماءٍ لا تهدأ.
قبل دقائق من أذان المغرب، تنحني زكية أحمد فوق ثلاثة حجارة رتّبتها بعناية أمام خيمتها غرب مدينة غزة. تجمع قطع كرتونٍ مبلل وبقايا حطب، تنفخ طويلًا علّ النار تشتعل في الوقت المناسب. يتصاعد الدخان كثيفًا فيملأ المكان، فيسعل أطفالها الثلاثة وهم يتحلّقون حول قدرٍ أسود يغلي فيه عدسٌ بلا لحم.
تقول زكية (35 عامًا)، النازحة من شمال القطاع لـ وكالة "سند" الفلسطينية للأنباء،: “كنا نستقبل رمضان بالفوانيس ورائحة الشوربة. اليوم أستقبله بالخوف من أن تحرق النار أحد أطفالي. لا أملك سوى هذا الموقد البدائي، وكل مرة أشعر أنني أخاطر بحياتهم لأعدّ وجبة بسيطة”.
حولها تمتد صفوف الخيام المتلاصقة في أحد مراكز الإيواء، وبين كل خيمتين نارٌ مشتعلة. لا مسافات أمان، ولا أدوات طهي آمنة، فقط ألسنة لهبٍ ترتفع فوق أرضٍ ضيقة، فيما تكفي شرارةٌ صغيرة لتحويل المكان إلى كتلة نار.
حسام الديب (42 عامًا) يشير إلى آثار احتراق قرب خيمته ويقول: “قبل أيام امتدت النار إلى خيمة الجيران. طفلٌ صغير أُصيب بحروق. لا توجد مساحات فاصلة، ولا وسائل أمان. نحن نطبخ فوق رؤوس بعضنا”.
رمضان الذي كان شهر الطمأنينة صار موسم قلقٍ إضافي؛ فازدحام الخيام، وشحّ المياه، وانعدام أدوات الطهي الآمنة، كلها تجعل من إعداد وجبة الإفطار مغامرة يومية.
عند صهريج مياه متنقل، تصطف نساء يحملن أوعية بلاستيكية. تقول ياسمين ياسين: “كل شيء محسوب بالقطرة. أحيانًا نضطر للاختيار: هل نستخدم الماء للشرب أم للطبخ أم للوضوء؟”.
وجبة الإفطار لا تبدأ بتحضير الطعام، بل بالبحث عن ماء؛ ماءٍ لغسل الأرز، ماءٍ لتنظيف القدر، ماءٍ للشرب بعد صيامٍ طويل. ومع كل دلوٍ يُملأ، تُملأ معه حكاية معاناة.
ووفق إفادات عاملين في المجال الإغاثي، تعيش آلاف العائلات دون مطابخ مجهزة أو مصادر طاقة آمنة، ما يضاعف مخاطر الحرائق والحروق، خصوصًا بين الأطفال. ومع تدمير البنية التحتية، باتت أبسط مقومات الحياة، الغاز، الكهرباء، المياه، رفاهية نادرة.
ومع غروب الشمس، يرتفع الأذان من مسجدٍ متضرر قريب. تمتد الأيدي بالدعاء قبل أن تمتد إلى الطعام. لا موائد عامرة، ولا تجمعات عائلية واسعة، ولا زيارات، فقط خيام، ونار، وأملٌ هشّ بأن يمرّ المساء بسلام.
قبل أن ينام، سأل الطفل يزن عبد الله (9 أعوام) والدته سؤالًا لم تجد له جوابًا: “ماما.. لما نكبر، رح يرجع عنا مطبخ مثل قبل؟”
لم يكن يسأل عن أصناف الطعام، بل عن شعور الأمان؛ عن موقدٍ لا يخيفه، وسقفٍ لا يتساقط فوق رأسه، ووجبةٍ لا تُطهى على عجلٍ تحت هدير الطائرات.
وعندما ينام الأطفال أخيرًا، بعد إفطارٍ متواضع وأدعيةٍ مرتجفة، تبقى الأمهات ساهراتٍ أمام جمرٍ يوشك أن ينطفئ، كأنهنّ يحرسن ما تبقّى من حياة.
في غزة، لم يعد السؤال: ماذا سنأكل غدًا؟ بل: هل سننجو حتى الغد؟
رمضان هنا ليس شهر مائدة، بل شهر نجاة.ليس موسم زينة، بل موسم صمود.وكل أذانٍ يُرفع فوق الركام هو شهادة بأن الحياة رغم كل شيء ما زالت تحاول أن تولد من تحت الرماد.
سبأ

