السياسية || محمد أحمد الجوهري*

جميعنا يعرف الفرق بين الإمام علي بن أبي طالب وبين الحجاج بن يوسف الثقفي، فلا مجال للمقارنة بينهما؛ فمكانة وفضل الإمام علي لا يختلف عليها اثنان، فهو رمز للنزاهة والأخلاق والعدل والحكمة، يحمل جميع الصفات الحميدة ولديه الكثير من المواقف التي تثبت عدالته وإنسانيته. أما الحجاج فهو رمز للطغيان والبطش والتسلط والظلم، وأصبح رمزاً ينادى به لمن يعشق إراقة وسفك الدماء، ولديه الكثير من المواقف الإجرامية التي يرويها التاريخ. ونذكر أحد مواقفه التاريخية التي تجلت فيها قمة الاحتقار والازدراء والتخلي عن القيم والأخلاق الإسلامية، ومن هذه المواقف تعامله مع عبد الله بن عمر بن الخطاب، ابن الخليفة الثاني للمسلمين.

عندما قُتل عبد الله بن الزبير وأصبح عبد الملك بن مروان خليفة للمسلمين، كان ابن عمر وقتها شيخاً كبيراً طاعناً في السن. وكان ابن عمر قد امتنع عن مبايعة الإمام علي ومن لحقه من الخلفاء من باب الحياد والاجتهاد، إلى أن وصل به الأمر إلى زمن عبد الملك بن مروان. وكان عبد الله بن عمر وقتها رجلاً عجوزاً تجاوز عمره الثمانين، ولما قرب أجله تذكر حديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (هذا في صحيح مسلم)، وفي كتب الشيعة: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".

وميتة الجاهلية تعني الدخول إلى جهنم إن لم تتخذ موقفاً وتبايع، فتحرك عبد الله بن عمر لتقديم البيعة لعبد الملك بن مروان عن طريق واليه على العراق "الحجاج". فعندما وصل إلى الحجاج لتقديم البيعة، قام الحجاج وقدم له "قدمه" بدلاً عن يده! هل لكم أن تتخيلوا حجم الإهانة؟ رجل طاعن في السن يتجاوز عمره 83 عاماً، وأبوه كان الخليفة الثاني للمسلمين، يُعامل بهذه الإهانة ومن قبل شخص طاغية متعجرف بعمر أولاده.

وهنا بدأت الحسرة واضحة على ابن عمر، وتذكر أنه رفض مبايعة الإمام علي وهو وصي سيد المرسلين، ووصل به الأمر من عند يد الإمام علي إلى عند قدم الحجاج، فقال مقولته الشهيرة: "والله إن اليد التي كفت عن علي لحرية أن لا تبايع إلا قدم الحجاج". وانظروا الفرق الشاسع بين الأشخاص قبل أن يكون بين اليد والقدم.

وإذا نظرنا إلى أن الذي أوصل ابن عمر لهذه المكانة والإهانة هو محاولة اجتهاده وعدم التحيز لأي فئة حتى يجمعوا المسلمين على خليفة واحد، وهذا الذي لم يكن؛ فالحق والباطل والخير والشر في صراع أبدي، وحزب الله وحزب الشيطان وأهل الجنة وأهل النار مستمرون في الصراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ونحن الآن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن والإجرام والطغيان، ووصل الطاغوت إلى ذروته؛ فالإنسان مخير: إما أن يتحرك مع الحق وأهله لنصرة دين الله وإعلاء كلمة الله، وعلى رأسهم محور المقاومة وقادته في وقتنا هذا، وإما أن يتحرك ويسير في فلك الطاغوت والطغيان العالمي وعلى رأسهم أمريكا ومن تبعهم.

نعم، فللطغيان رموز مثلما للحق رموز؛ علي بن أبي طالب عليه السلام موجود في كل مكان وزمان، ومنهجيته معروفة التي تتجسد في العدل وإقامة القسط، ويمثلها أهل بيته عليهم السلام وعلى رأسهم قائد الأنصار في اليمن والسيد علي خامنئي في إيران. والحجاج موجود في كل زمان ومكان، وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل ومن سار في فلكهم، فقد أسرفوا في القتل والطغيان والإجرام، ووصل بهم الأمر أن يرتكبوا جرائم ضد الإنسانية مثلما حدث في جزيرة "إبستين" ومجازر غزة وغزو وإذلال العديد من شعوب العالم.

فنحن كأمة عربية إسلامية مخيرون: إما أن نبايع آل بيت رسول الله الأطهار ونخطو على نهجهم، ويترتب على ذلك العزة والكرامة للأمة في الدنيا والنجاة من عذاب الله في الآخرة، أو أن نبايع قدم ترامب ونتنياهو وأقدام آل سعود وآل زايد ومن سار على نهجهم، وينعكس على ذلك الذل والهوان والامتهان. ولا ننسى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب