بين الأذان والعزل.. معاناة الأسرى الفلسطينيين في رمضان داخل سجون العدو الإسرائيلي
السياسية: تقرير//
في الخارج، تُضاء المآذن وتتعالى التكبيرات، وتلتف العائلات حول موائد الإفطار. أمّا داخل سجون العدو الإسرائيلي، خلف أبوابٍ حديدية موصدة، فيُقاس الوقت بشيءٍ آخر: صوت المفاتيح الثقيلة، وخطوات السجّانين في الممرات الضيقة.
هذا العام، يستقبل أكثر من 9300 أسير فلسطيني شهر رمضان داخل سجون العدو الإسرائيلي، بينهم نحو 350 طفلًا، وفق معطيات مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى. لكن رمضان هناك لا يشبه رمضان في أي مكان آخر؛ إذ يتحوّل من شهر عبادة وطمأنينة إلى اختبار يومي للصبر والثبات.
محمد علي، أسير محرر أُفرج عنه في 13 أكتوبر 2025 بعد اعتقال دام عامًا وعشرة أشهر، لا ينسى أول رمضان قضاه في الأسر. يقول لـ صحيفة (فلسطين)، إنهم لم يعرفوا على وجه الدقة متى بدأ الشهر، ولا متى يحين أذان الفجر أو المغرب.
“كنا نخمن الوقت”، يروي بصوتٍ لا يزال يحمل مرارة التجربة. “لم تكن إدارة السجن تبلغنا بالمواعيد الرسمية. كنا نعتمد على تقديراتنا، أو ننتظر أن يسأل أحد المحامين في جلسة محكمة.”
في إحدى الأمسيات داخل سجن النقب، اجتمع الأسرى حول وجبة بسيطة قبيل أذان المغرب. لم يكن الطعام وفيرًا، لكنه كان كافيًا ليصنع لحظة دفء جماعية. فجأة، اقتحم السجانون الغرفة. سُكب الطعام على الأرض، وكُبِّلت الأيدي، وأُخرج الأسرى إلى ساحة السجن. مضت ساعات قبل أن يُسمح لهم بالعودة، بعدما انقضى وقت الإفطار والصلاة.
لا تتوقف المعاناة عند الشعائر الدينية. فبحسب شهادات أسرى محررين، تُقلَّص كميات الطعام خلال رمضان، وتُقدَّم وجبات في أوقات لا تراعي موعد الأذان. أحيانًا تصل وجبة الإفطار بعد صلاة العشاء، وأحيانًا لا توجد وجبة سحور أصلًا، ما يدفع بعض الأسرى إلى ادخار جزءٍ من إفطارهم القليل ليقتسموه مع الفجر.
سلامة مهاني (23 عامًا)، الذي اعتُقل في يناير 2024، يتحدث عن برد الغرف، وشحّ المياه الساخنة، ومعاناة المرضى وكبار السن مع الصيام في ظل رعاية صحية متراجعة. “كنا نصوم بإمكانيات محدودة جدًا”، يقول، “لكننا كنا نتمسك بالصلاة والقرآن كأنهما آخر ما نملك.”
ومنذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، يؤكد أسرى محررون أن الإجراءات ازدادت صرامة: تفتيشات مفاجئة، عزل انفرادي، وتقليص ساعات الخروج إلى الساحة. حتى رفع الأذان داخل القسم أو أداء الصلاة جماعة قد يُعد مخالفة تستوجب العقاب.
في الزنازين الصهيونية الضيقة، يتبدل معنى رمضان. لا موائد عامرة، ولا لقاءات عائلية. فقط صيامٌ طويل، وانتظارٌ أطول. ومع ذلك، يتمسّك الأسرى بشعائرهم قدر المستطاع، معتبرين أداءها شكلًا من أشكال الصمود.
بينما تتجمع العائلات حول موائد الإفطار في الخارج، يظلّ هناك من يفطرون على القليل، ويحيون لياليهم على أمل الحرية.
وهكذا يمضي رمضان خلف القضبان، شاهدًا على واقع إنساني ثقيل، لا تصل تفاصيله إلى العالم إلا عبر شهادات من كُتب لهم الخروج.. ومن بقي، ما زال ينتظر أذانًا آخر، ربما يكون أذان الحرية.
سبأ

