السياسية || محمد محسن الجوهري*

من يتابع الإعلام الخليجي يعلم أنه يقدم الرؤية الإسرائيلية للصراع، خاصةً من بعد سبتمبر 2001، ما قبل تلك المرحلة كانت الأنظمة الخليجية وإعلامها مشغولون فقط بإلهاء الجماهير عن المشروع الصهيوني في المنطقة ولذلك ذهبوا للقتال في أفغانستان وفي الشيشان وغيرها لصرف الأنظار عن الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحق المسلمين في فلسطين، لكن ذلك التيه عن القضية المركزية للأمة يتحول إلى عداء واضح تماهياً مع التوجيهات الصهيونية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وفي إطار تلك السياسة بدء الإعلام الخليجي في شيطنة الأحرار في هذه الأمة مستغلين كل الطرق والذرائع الممكنة، فتارةً باسم المذهبية وأخرى باسم العداوات الوطنية، كما هو الحال مع الشعب الفلسطيني، وبلغ الأمر حد التحالف مع التيارات المسيحية في لبنان لضرب حزب الله، رغم أن العداء هنا كان بمزاعم طائفية.

ففي حقبة الثمانينيات والتسعينيات، سخرت المنظومة الإعلامية الخليجية (بفتواها وأموالها) كل طاقتها لتوجيه بوصلة "الجهاد" نحو الشرق (أفغانستان والشيشان) بعيداً عن القدس. كان الهدف هو استنزاف الطاقات الشبابية التحررية في معارك تخدم الاستراتيجية الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، بينما تُركت فلسطين لمشاريع "التسوية" الهزيلة. والشاهد هنا هو التغطية الكثيفة لـ "المجاهدين العرب" في كابول، مقابل خطاب "ضبط النفس" والهدوء في مواجهة الاجتياحات الصهيونية المتكررة لبيروت وجنين.

ومن بعد 2001، أصبح الإعلام الخليجي جزءاً من الحرب النفسية الصهيونية. فالشواهد في حروب غزة ولبنان الأخيرة تؤكد أن هذه القنوات كانت تسبق إعلام العدو في إحباط الروح المعنوية، والتركيز على الخسائر المادية للمقاومة، والترويج لفكرة "استحالة الانتصار"، وهي الرسالة ذاتها التي تخدم المشروع الصهيوني في تحويل الشعوب إلى قطعان مستسلمة.

ولم يتوقف الدور الوظيفي لهذا الإعلام عند حدود التخذيل العسكري، فقد امتد ليشمل "غسيل الوعي" عبر استراتيجية التطبيع الثقافي والاجتماعي؛ حيث فُتحت الشاشات والمنصات الخليجية لـ "المحللين" والمستوطنين الصهاينة ليتحدثوا بلسانٍ عربي مبين، تحت لافتة "الرأي والرأي الآخر" الزائفة. والهدف من هذه الاختراقات الإعلامية هو كسر حاجز النفسية العربية، وتحويل وجود الكيان الغاصب من "جسم غريب" يجب استئصاله إلى "جار طبيعي" تجب استمالته، في حين يتم تصوير الأحرار المقاومين في فلسطين والمنطقة كعقبات في طريق "الازدهار والسلام" المزعوم.

علاوة على ذلك، سخرت هذه المنظومة جيوشاً من الذباب الإلكتروني والمؤثرين المأجورين لتمزيق النسيج العربي من الداخل، عبر اختلاق عداوات وهمية تضع الشعوب العربية في مواجهة بعضها البعض. فبينما كانت الطائرات الصهيونية تصب حممها فوق رؤوس الأبرياء، كانت هذه الوسائل الإعلامية تشن حملات موازية لتبرير المذابح، والادعاء بأن المقاومة "تتاجر بدماء الأطفال"، في عملية قلبٍ للحقائق هي الأكثر وقاحة في التاريخ المعاصر؛ حيث يُبرأ القاتل الحقيقي ويُدان الضحية والمنتصر لكرامته.

إن ارتهان الإعلام الخليجي للمشروع الصهيوني وتسخير مقدراته لضرب أحرار الأمة هو سقوط أخلاقي وتاريخي مريع. لقد أثبتت الأحداث أن هذا الإعلام، ومن ورائه الأنظمة التي تموله، قد اختار الوقوف في الخندق الخطأ، مراهناً على بقاء الاحتلال والهيمنة الأمريكية. لكن هذا الرهان سيتحطم -لا محالة- أمام وعي الشعوب الذي لا يزال يرى في القدس بوصلته الوحيدة، مؤكداً أن العروش التي تُبنى على خيانة الأمة هي أوهن من بيت العنكبوت.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب