صراع الأمم.. حقيقة غائبة عن أذهان العرب
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إن الصراع في العالم هو صراع أممي، أي صراع أمة ضد أخرى؛ حيث تسعى كل أمة للسيادة على غيرها بكل وسائل القوة العسكرية والإعلامية والسياسية. إلا أن العرب خارج هذا الصراع؛ لأن نظرتهم للحياة هي نظرة الحاكم المستبد الذي لا يكترث إلا لحماية موقعه في السلطة، ولذلك تجده يعزز قوته بما يحمي عرشه من شعبه، لكنه ليس على استعداد للدخول في صراع مع أعداء الأمة؛ لأن ذلك يهدد مستقبله كقائد أوحد.
في المقابل، يتحرك اليهود في حربنا بوسائل شاملة، فهم يرون أنفسهم أمة واحدة في حالة صراع مع سائر الأمم، ويعتقدون أن لهم الحق في استعباد الآخرين ونهب ثرواتهم. ومن وسائل القوة لديهم تعزيز الحكم الفردي في البلاد العربية؛ ولو قارنت حجم الإنفاق العسكري للكيان بما تنفقه مصر والأردن مثلاً، لوجدت أن النظامين العربيين منشغلان بتدجين شعبيهما للطغيان، وهو ما أدى إلى تدجينها للكيان بعد أن تأسست علاقة وثيقة بين المصالح القومية لليهود والمصالح الفردية للمستبدين العرب.
وبالتالي فإنَّ غياب مفهوم "الأمة" في العقل السياسي العربي المعاصر هو الثغرة التي نفذ منها المشروع المقابل؛ فبينما تُصاغ السياسات في الكيان الصهيوني بناءً على أمن وجودي يمتد لعقود، تُختزل السياسة في المنظومة العربية في "أمن النظام" الذي لا يتجاوز البقاء في الكرسي ليومٍ إضافي. وهذا التضاد في الأهداف جعل من السلاح العربي أداةً للضبط الداخلي بدلاً من أن يكون درعاً لحماية الشعب والأمة.
ومن هنا، نجد أنَّ المستبد العربي يرى في استيقاظ وعي شعبه خطراً يفوق خطر الاحتلال الصهيوني؛ فالشعب الواعي والمتحرر هو الكفيل بمحاسبته، بينما الاحتلال هو "شريك واقعي" يمنحه الشرعية الدولية أو الصمت العالمي مقابل ضمان الهدوء على الجبهات. والعلاقة بين "تدجين الشعوب" و"التبعية للكيان" هي علاقة طردية؛ فكلما أمعن الحاكم في سحق إرادة مواطنيه، اضطر لتقديم تنازلات أكبر للخارج ليحتمي به من غضبة الداخل.
وفي مضمار القوة الناعمة، يبرز التفاوت الصارخ؛ ففي الوقت الذي يسخّر فيه الصهاينة ماكيناتهم الإعلامية والبحثية لترسيخ رواية "الأمة المختارة" وحشد الشتات، تتوجه الآلة الإعلامية العربية لتلميع صورة الحاكم المستبد وشيطنة كل صوتٍ ينادي بالتحرر. ومن هنا فقدت الشعوب الشغف بقرارها السياسي بعد أن رأوا الإنفاق العسكري المهول في دول المواجهة العربية لم يكن يوماً موجهاً لكسر التوازن مع العدو، بل كان استثماراً في "هيبة الدولة الأمنية" التي لا تستأسد إلا على الأعزل.
إنَّ الحقيقة التي لا تزال غائبة هي أنَّ الصراع الوجودي لا يُدار بعقليات فردية، والأمم التي لا تتحرك ككتلة واحدة مصيرها أن تُؤكل لقمةً سائغة. وبقاء العرب خارج معادلة الصراع الأممي هو نتيجة طبيعية لنظام سياسي جعل من "الفرد" صنماً ومن "الأمة" قرباناً. ولن يجد العرب مكاناً تحت الشمس ما لم تتحطم تلك العلاقة العضوية بين استبداد الداخل واستقواء الخارج، وما لم يتحول مفهوم "الدولة" من ممتلكات خاصة للحاكم إلى أداةٍ تعبر عن وجدان الأمة وطموحها في السيادة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

