قراءة سريعة للوضع السياسي.. وأين تتجه الحرب وتوقعات من هو الخاسر فيها
السياسية || محمد الفرح*
شنت أمريكا واسرائيل العدوان على إيران دون مبرّر حقيقي ودون أهداف واضحة ومحددة واقعية، وهذا خطأ من البداية.
ترامب يومياً يطالعنا بتصريحات متناقضة: تارة يقول إن الهدف هو إسقاط النظام، وفي اليوم التالي يقول إنه لا يمانع وجود حكومة دينية، ثم يتحدث عن استسلام غير مشروط، وقبل ذلك يدعو الحرس الثوري إلى تسليم أسلحته، ويقول انه سيشارك في اختيار المرشد الجديد...الخ.
وكل ما أُعلن من أهداف لن يتحقق بالقصف الجوي، حتى لو استمر مئة عام؛ فإسقاط اي نظام لا يتم عبر الجو وإنما بالحرب البرية، وهذا يكاد يكون مستحيلاً.
صحيح أن النظام الإيراني نظام مؤسسات، لكن بنيته إيمانية جهادية وبنية مقاومة، ولن يستسلم مهما كلف الثمن، بل سيقاتلون حتى يلحقوا بالولايات المتحدة هزيمة غير مسبوقة.
ثم إن الثقافة الإيرانية، والتعبئة القائمة منذ مطلع الثورة ، قامت أساساً على قتال أمريكا والعدو الإسرائيلي، وكذلك مواجهة المنافقين المدفوعين من أمريكا وإسرائيل.
وأنا على قناعة تامة بأن الولايات المتحدة أجبن من أن تفتح جبهة برية مع إيران، تخوضها بنفسها. وأي طرف، سواء داخل إيران أو خارجها، يفكر في تحرك بري سيدخل نفسه في ورطة كبيرة، وسيتلقى هزيمة ساحقة.
قراءة المشهد السياسي اليوم تشير إلى أن الأفق مسدود تماماً، في وجه المعتدي. حتى لو أرادت الولايات المتحدة وقف الحرب من طرفها، فإن إيران غير مستعدة لذلك، وهي عازمة على إغلاق كل منافذ الخروج حتى تصل بالولايات المتحدة إلى الاعتراف بالهزيمة، ولن تقبل إيران بأقل من انسحابها من المنطقة.
أما إسرائيل، فصحيح أنها ارتكبت جرائم باستهداف مدارس للبنات والبنين وقتلت مواطنين، واستشهد أيضاً عدد من القادة الإيرانيين، لكن في المقابل تطالها خسائر فادحة وإصابات بالمئات داخل كيان العدو. ويتلقى الكيان ضربات دقيقة ومميتة تهتز معها السمعة العسكرية التي راكمها خلال عامين، وتنكشف معها هشاشة أنظمته الدفاعية. كما يعيش المغتصب الصهيوني حالة من الخوف والقلق والرعب، وغلاء الأسعار ويقضي عشرات الساعات داخل الملاجئ.
الوقت يصب في مصلحة ايران التي تستنزف الاسلحة الدفاعية باهظة الثمن وتدمر اسرائيل ومواقعها الاستراتيجية وكذلك القواعد الامريكية ومقرات ضباط الموساد والجنود الامريكيين في المنطقة. واستمرارها يزيد إيران قوة وتماسكاً وخبرة، إذ إن التطور غالباً ما يحدث أثناء الصراع. والأنظمة التي لا تخوض صراعات حقيقية هي، في الغالب، أنظمة ضعيفة وعاجزة، وتظل قدراتها العسكرية والتقنية محدودة.
بينما أمريكا وإسرائيل ليس من مصلحتهما طول أمد الحرب لأسباب عسكرية واقتصادية، وأسباب سياسية ترتبط بنتنياهو وترامب شخصيًا ومستقبلهما السياسي.
على المستوى الاقتصادي والعسكري، هناك ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط في الولايات المتحدة وأوروبا. وباعتقادي أن يد إيران هي العليا في هذا الجانب؛ فهي تمسك اليوم بأهم شريان بحري في العالم، ويتجاوز تأثيرها حدودها الجغرافية والحرب العسكرية ليصل إلى الاقتصاد العالمي والنظام المالي.
كما أن التضخم الذي يحدث في الولايات المتحدة يحمل أضراراً كبيرة، يرتفع مها الدين وتضعف معه الثقة بقدرة الولايات المتحدة على حماية النظام المالي العالمي، وقد يشكل ذلك بداية تراجع هيمنة الدولار على التبادل المالي العالمي.
والعالم سيتحمل إلى مستوى محدد الكلفة الاقتصادية، لكنه سينفجر قريبًا في وجه أمريكا التي سببت له هذه الكارثة الاقتصادية.
المنتصر في هذه الحرب هو من يستطيع أن يصبر، وصبر أمريكا بدأ ينفد، وسلاحها كذلك بدأ ينفذ والأصوات من داخل إسرائيل بدأت تتعالى وتشكو من الضربات الإيرانية.
ترامب وجَّه دعوات لفرنسا وبريطانيا يستعين بها، وهذا مؤشر ضعف، يدل على أن المعركة أكبر مما كان يتصور.
باعتقادي أن إيران ما بعد هذا العدوان لن تكون كما قبلها، فالتحالفات معها ستزداد، والتراجع الأمريكي سيحدث حتما، ودول المنطقة ستراجع حساباتها وتدرك أن مصيرها الاقتصادي والأمني مرتبط بأمن إيران، وأن أي تحريض على إيران أو دعم للحرب سيكتوي الجميع بلهيبها.
وقد أدرك الكل أن أمريكا وقواعدها لم تجلب الأمن، وإنما جلبت الحرب، وبدلًا من أن تحمي الخليج، يُرغمون اليوم على حمايتها والوقوف أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
أما إيران فهي في موقع المعتدى عليه وتضحياتها لا تُحسب خسارة، لأنها تدافع عن نفسها وعن استقلالها وعن كرامتها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* تغريدة المقال:
https://x.com/MohammedAlfrah/status/20300483025832...

