السياسية || محمد محسن الجوهري*

في إطار العدوان الصهيو-أميركي على إيران، وفي ظل المباركة الخليجية له فإن للجمهورية الإسلامية الحق في تفعيل الألغام البحرية في محيط مياه الخليج، حيث تمتلك طهران ترسانة ضخمة تضم مئات الآلاف من الألغام المتنوعة، تتدرج من الألغام التقليدية "العمياء" التي تعمل بالتماس، وصولاً إلى الأجيال الذكية التي تتحسس البصمات المغناطيسية والصوتية للسفن، ويسهل نشرها بكثافة عبر زوارق سريعة وشبه غواصات يصعب تعقبها؛ وهذا التكتيك يخلق معضلة تقنية وأمنية معقدة للأساطيل الدولية، فتكلفة لغم واحد لا تتجاوز بضعة الدولارات فيما تكلفة إزالته تقدر بمئات الأضعاف من تكلفة زراعه.

وبذلك تكون إيران قد أطلقت رصاصة الرحمة على دول الخليج التي يتطلب استقرارها انعداماً كلياً للاختلالات الأمنية، كما سيخسر الاقتصاد الأميركي أهم موارده من النفط الخليجي ومن العائدات المباشرة المرتبطة به، وهي عائدات ضخمة جداً حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي.

وسيمتد الضرر ليضرب بعمق ركائز الأمن الغذائي والدوائي في دول الخليج التي تعتمد بشكل بنيوي على استيراد ما يفوق 80% من احتياجاتها الأساسية عبر الموانئ؛ إذ إن توقف حركة السفن التجارية وناقلات الحاويات العملاقة سيعني انقطاعاً فورياً في سلاسل الإمداد الحيوية، مما يفرغ الأرفف من السلع الضرورية ويخلق حالة من الذعر الاستهلاكي (Panic Buying) تؤدي إلى قفزات جنونية وغير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية والطبية محلياً.

هذا الشلل اللوجستي سيتفاقم بفعل الارتفاع الحاد في أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب (War Risk Premiums)، والتي قد تتضاعف عشرات المرات في غضون أيام، لتتحول من تكلفة تشغيلية إلى عائق مالي تعجيزي يجعل من قرار عبور أي ناقلة لقطاع الألغام مغامرة تجارية غير محسوبة العواقب؛ فشركات الملاحة العالمية لن تجد مبرراً اقتصادياً للمخاطرة بأصول تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات في ممرات غير مؤمنة، مما سيفرض فعلياً حصاراً اقتصادياً ذاتياً على الأسواق الخليجية، ويجبر الحكومات على استنزاف مخزوناتها الاستراتيجية في سباق مع الزمن لتأمين بدائل برية أو جوية مكلفة جداً وغير كافية لسد الفجوة الاستهلاكية الضخمة.

أما على الصعيد الأمريكي، فإن الأثر سيكون بمثابة "صدمة طاقة" كبرى؛ إذ يتوقع الخبراء أن تقفز أسعار النفط لتتجاوز حاجز 120 إلى 150 دولاراً للبرميل فور تأكيد وجود حقول الألغام، وهو ما سيترجم مباشرة إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، مما يغذي التضخم ويضغط على صانع القرار في واشنطن، يضاف إلى ذلك انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خاصة القادمة من قطر التي تساهم بـ 20% من الإمدادات العالمية، مما سيهدد بانهيار أمن الطاقة في الولايات المتحدة ويرفع أسعار الكهرباء والتدفئة لمستويات غير مسبوقة، فضلاً عن تعطل سلاسل الإمداد للصناعات التحويلية والبتروكيماوية التي تعتمد على المواد الخام الخليجية.

هذه الوضعية التي ستعيشها دول الخليج والولايات المتحدة في حال فخخت إيران مياه الخليج يذكرنا بما فرضته واشنطن وأدواتها في الخليج على دول المنطقة خاصة في اليمن وغزة، حيث تحول الحصار البحري والجوي إلى أداة جيوسياسية رئيسية لكسر إرادة المواطنين.
ففي غزة، أدى الحصار المطبق الذي يمنع دخول المواد الأساسية إلى انهيار شبه كامل في منظومات الأمن الغذائي والدوائي، محولاً القطاع إلى نموذج حي لما يمكن أن ينتج عن "الخنق اللوجستي" من أزمات إنسانية خانقة، بينما في اليمن، فرضت العمليات العسكرية البحرية والقيود المشددة على الموانئ واقعاً مماثلاً، حيث أدت عرقلة تدفق السلع والوقود إلى رفع تكاليف الشحن لمستويات تعجيزية ما نتج عنه أكبر كارثة إنسانية في العالم ما بين عامي 2015 و2022.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب