السياسية || محمد محسن الجوهري*

قد تقول "انتحاري" ويقول غيرك "استشهادي" لوصف الحدث نفسه، وهذا يكشف الموقف العقائدي لكلٍ منكما، وهكذا هي طبيعة اللغة العربية التي لا تؤمن بالحياد ولا تترك لأحدٍ حاله، ولذلك من الصعب على الإعلام العربي أن يكون محايداً على الإطلاق، فما يخفيه المذيع أو وسيلته تكشفه المفردات والبلاغة، ومن هنا لك أن تقيس مصداقية العرب رغم محاولاتهم المضنية في التشبه بالإعلام الغربي الذي يبقيك على الحياد حتى لو كنت من أشد المتعصبين.

فالإعلام الناطق بالإنجليزية، على سبيل المثال، يعتمد على "تجهيل الفاعل" عبر المبني للمجهول Passive Voice) ) للهروب من المسؤولية، مثل قولهم: "Ten people were killed" (قُتل عشرة أشخاص) دون ذكر من قتلهم، بينما العربية تميل لإظهار "الفاعل" أو "البطل" أو "الضحية" بوضوح وصخب، وكذلك كلمة "قتيل" التي تجرد صاحبها من عدالته في وجدان المتلقي فيما تصنيف الضحية بـ"الشهيد" يمنحه صكاً بالقدسية والحق الأخلاقي في دفاعه عن قضيته.

ولا يقف الانحياز عند الأسماء بل يمتد للأفعال، إذ تبرز الفجوة بين وصف الموت بعبارة "لقي حتفه" التي توحي بعرضية الحدث وتجهيل الفاعل، وبين فعل "اغتيل" الذي يقرّ بوزن الضحية السياسي ويوجه أصابع الاتهام لجهة منظمة. ويستمر هذا الفرز عند وصف الأطراف المتصارعة، فتتأرجح التسمية بين "الثوار" لإضفاء الشرعية، و"المتمردين" لوسمهم بالخروج عن القانون، أو "المسلحين" للإيحاء بالفوضى، وصولاً إلى "الإرهابيين" كحكم نهائي بالإدانة.

وحتى الجغرافيا لا تسلم من هذا الصراع، فالاستناد إلى مصطلح "الشرق الأوسط" يعكس رؤيةً تفرغ المنطقة من هويتها لصالح إحداثيات غربية، بينما يرسخ "الوطن العربي" أيديولوجيا الوحدة، وهو ذات التباين الذي يظهر في تغطية الاستيطان، حيث تتصارع مفردة "المستعمرة" بحمولتها التاريخية ضد "المستوطنة" التي توحي بالهدوء، أو "المجتمع المحلي" الذي يسعى لترسيخ شرعية الأمر الواقع، مما يؤكد أن البلاغة العربية تفضح دوماً ما تحاول الوسيلة الإعلامية إخفاءه.

وبالعودة إلى تجهيل الفاعل في العربية فهو لا يعني الحياد كما هو الحال في الإنجليزية، لأن "التجهيل المقصود" للفاعل هو في حد ذاته تستر عليه، فعندما تسمع أن "عشرات الضحايا سقطوا إثر انفجار"، وهي صياغة تجعل الجريمة وكأنها قدرٌ سماوي لا يد لأحد فيه، بينما يتحول الفعل ذاته في وسيلة أخرى إلى "مجزرة ارتكبتها قوات فلان"، لتعيد توجيه الغضب الشعبي نحو طرف بعينه.

وعلاوة على ذلك، يبرز التفاوت الصارخ في استدعاء "المخزون التراثي" و"الشحنة العاطفية" للمفردات؛ فالإعلام العربي، عندما أراد التهدئة لخطابه الإعلامي وتجنب الشحن العاطفي، حذف مصطلحات من قبيل "النكبة" و"العدوان" و"الخيانة"، وهي كلمات تحمل في طياتها تاريخاً من الألم والذاكرة الجمعية، مما يجعل الحياد أمامها مستحيلاً.

كما نجد الإعلام المطبع وهو يتحدث عن العدوان على غزة، يستميت لتبني "اللغة التقنية" الغربية الوافدة مثل "الاشتباكات المسلحة" أو "العمليات النوعية"، وهي مصطلحات تحاول جاهدةً تبريد النص وإفراغه من محتواه القومي، لكنها غالباً ما تسقط أمام قوة "البلاغة العفوية" التي تطل برأسها من بين السطور، فالعربية لغة لا تقبل أن تكون "وعاءً فارغاً"، بل هي شريك في صناعة الحدث وتفسيره، وليست مجرد ناقل.

إجمالاً، يظل الحياد في الإعلام العربي أسطورة تحاول الحداثة اللغوية صياغتها، بينما يرفضها الواقع المأزوم بحدوده اللغوية الفاصلة؛ فالمذيع العربي، مهما حاول التخفي وراء قناع "المهنية الغربية"، تظل مفرداته هي "الواشي" الأول بانتماءاته. فلغتنا العربية هي مرآة تعكس صراعاتنا وقيمنا، وما دامت الكلمات مشحونة بالمعاني التاريخية والدينية، سيبقى الإعلام ساحةً لمعركة "كشف النوايا" قبل أن يكون ساحةً لنقل الأخبار.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب