السياسية || محمد محسن الجوهري*

يُعتبر محمد ناصر الدين الألباني أحد أكثر الشخصيات التي أحدثت انقساماً في الوجدان الإسلامي المعاصر؛ لدوره في تفكيك بنية الأحاديث التي شكلت الوعي الأخلاقي والتربوي للشعوب العربية لقرون. فمن مهنة "تصليح الساعات" في دمشق، انتقل الألباني ليعيد ضبط "عقارب" السنة النبوية وفق منظور يسيء لرسول الله صلى الله عليه وآله، للتقليل من القيمة المعنوية للنبي في وجدان الأمة الإسلامية.

ارتكز مشروع الألباني على مراجعة الأحاديث المشهورة والحكم عليها بالضعف أو الوضع. المثير للاستغراب في هذا المنهج هو استهدافه المباشر للأحاديث التي تحمل أبعاداً إنسانية وجمالية عليا؛ فجأة، تحولت جمل مثل "الجنة تحت أقدام الأمهات" و*"اطلبوا العلم ولو في الصين"* و*"أدبني ربي فأحسن تأديبي"* من ثوابت تربوية في المناهج والمدارس إلى "أباطيل" في نظر مدرسة الألباني. وهذا التوجه أراد به إضعاف القوة الناعمة للإسلام التي تستند إلى هذه القيم في حوارها مع الآخر، وكأن الهدف كان نزع "الروح" من النصوص وترك الجمود فقط.

تكمن العقدة الأساسية في إنتاج الألباني في الانتقائية المفرطة؛ ففي الوقت الذي شطب فيه بجرة قلم أحاديث تدعو للسمو الأخلاقي، نجد مذهبه يستميت في "تصحيح" وتكريس أحاديث تتصادم مع الذوق الإنساني والفطرة السليمة. أحاديث تتحدث عن تفاصيل بيولوجية مقززة، أو تشرعن ممارسات شاذة مثل "رضاع الكبير"، أو تكرس لصورة نمطية تظهر الرسول منشغلاً بقضايا غريزية بعيدة عن عظمة النبوة. هذا "التصحيح" لم يخدم إلا المشككين، حيث قدم لهم مادة دسمة لتشويه صورة الإسلام بناءً على "ما صححه الألباني".

لقد تسلل فكر الألباني إلى المناهج التعليمية منذ أواخر السبعينيات، مما أدى إلى تجريف الوعي العربي. فبدلاً من التركيز على توحيد الأمة، ساد خطاب يميل إلى التبديع والتفسيق للآخرين بناءً على أحكام متشددة. لقد كان الألباني، بشخصيته التي لم تدرس على يد شيوخ معتبرين (عصامي العلم)، يفتقر لعمق فهم أخلاق العرب وأدبياتهم، مما جعله يلبس النصوص ثوباً غريباً عن بيئتها الأصلية.

يكشف المسار الشخصي للألباني عن علاقة وثيقة مع مراكز القوى في المنطقة. فمن الشارقة إلى السعودية وصولاً إلى الأردن، رأت أجهزة المخابرات في تلك الدول أن منهج الألباني (السلفية) هو الترياق المثالي لمواجهة حركات الإسلام السياسي أو الثورات المندفعة؛ فالألباني يحرم العمل الحزبي أو الخروج على الحكام. وبذلك، تحول سلاح "التضعيف والتصحيح" من أداة علمية إلى "مِبضع جراح" أمني؛ يُضعف أحاديث الثورة والنهوض، ويُصحح أحاديث الطاعة المطلقة لولي الأمر، مما يمنح الأنظمة "شرعية دينية" تجعل من معارضتها "بدعة" وضلالاً.

أدى هذا المنهج إلى استبدال الصراع مع "أعداء الأمة" بصراعات داخلية حول تفاصيل فقهية وهامشية. لقد وُظفت مدرسة الألباني لشغل الشارع بمسائل مثل "رضاع الكبير" أو "شرب أبوال الإبل" أو "بدعية المظاهرات"، مما أدى في النهاية إلى "تدجين" العقل الجمعي ليكون متقبلاً للاستبداد الداخلي، ومنصاعاً لنتائج "صراع الأمم" الذي يُدار من فوق رؤوس الشعوب المغيبة.

لقد كانت كلفة مدرسة الألباني باهظة على العقل العربي؛ حيث تحول الدين إلى مجموعة من النصوص التي يحتاج المسلم للاعتذار عنها أمام العالم. وهذا القلب للموازين يخدم تماماً منطق "التدجين" السياسي. فالمسلم الذي ينشغل بالخلاف حول "جواز شرب البول" أو "رضاع الكبير"، هو إنسان غارق في التفاهة، غير قادر على مواجهة تحديات "صراع الأمم" أو المطالبة بحقوقه السياسية. لقد قدم الألباني للأنظمة المستبدة -التي تبنته- ديناً "منزوع الدسم" الحضاري، ديناً يُشغل الشعوب بالهوامش ويترك المتون ليد العبث.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب