السياسية || محمد أحمد الجوهري*

لقد بعث الله الكثير من الأنبياء والرسل إلى العديد من الأمم والشعوب في مختلف الأزمنة والعصور، وجميعهم يحملون نفس الرسالة الإلهية؛ رسالة التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد. ومع تعاقب الأنبياء وتكاثر الأمم، تلقى أنبياء الله ورسله الكثير من المشقات والعقبات والصعاب في طريقهم في سبيل نشرهم لدين الله، ولدى كل نبي قصته الخاصة ومعجزاته الخاصة به بما يتطلبه الوضع. وهناك من آمن وهناك من كفر، وهناك من حرّف الدين حسب هواه ومصالحه، إلى أن وصلنا لرسول الله صلوات الله عليه، خير خلق الله، بعث في وقت كان قد وصل فيه الضلال ذروته، وكل أمة تعبد آلهتها الخاصة بها.

فقام رسول الله صلوات الله عليه بالتمهيد لنشر الدين الإسلامي الحنيف، وعززه الله بكتابه القرآن الكريم، فانتشر الإسلام انتشاراً كبيراً، حيث أصبحت اليوم الأمة الإسلامية أكثر من ملياري مسلم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. لدينا ديننا الخاص بنا، ونبينا، ودستورنا ألا وهو القرآن الكريم؛ 57 دولة إسلامية ومليارا مسلم يمتلكون جميع المقدرات والثروات والإمكانيات.

لكن إن أتينا للنظر إلى واقع الأمة الذي تعيشه ونربطه بواقع الأمة أيام رسول الله صلوات الله عليه، نجد أنه لا مجال للمقارنة من جميع النواحي. وهذا كله بسبب أننا ابتعدنا عن تعليمات كتاب الله واتجهنا إلى بعض رواة الحديث. فلنعرض واقعنا على الواقع القرآني: هل نحن أمة واحدة؟ فالله سبحانه وتعالى قال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"، لكننا 57 دولة متفرقة، لكل دولة سياستها الخاصة وحدودها الخاصة.

فلنعد إلى معاملتنا فيما بيننا، هل هي قرآنية كما قال الله: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"؟ لا والله، العكس يطبق؛ أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين. نعم، دول عربية تقصف أخرى، ودول عربية تتحالف مع أعداء الأمة، بل وتجعل من أراضيها منطلقاً للعمليات ضد أبناء الأمة. كما حدث في العراق عام 2003 عندما استقبلت دول الخليج قوات التحالف الأمريكي الغربي ضد بلد عربي مسلم شقيق، وكانت أراضيهم نقطة الانطلاق وتمركز الجيوش الغازية.

وكذلك الحال اليوم تجاه إيران ومحور المقاومة، حيث كانت الأراضي العربية الإسلامية منطلقاً للغارات العدوانية، وكانت الدفاعات الجوية العربية خط الدفاع الأول عن الكيان الصهيوني الغاصب وعن القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة. وكل هذا بتمويل من أموال الأمة العربية الإسلامية التي كان الأجدر أن تُصرف للدفاع عن الأمة وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني المظلوم. لكن في الواقع، إن من يحاصر أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم هي الدول العربية، وعلى رأسها النظام المصري والنظام الأردني المطبّع.

فلندع قضية الشعب الفلسطيني جانباً ونعد إلى سبب ضعفنا وخلافنا حتى على مستوى الشعب الواحد؛ تلاحظ أن في الشعب الواحد أكثر من طائفة، مما أدى إلى التفرقة والاختلاف بين أبناء البلد الواحد. وأبرز هذه الخلافات كلمتا "السنة والشيعة"؛ نعم، أصبح المسلم يحقد على أخيه المسلم ويتوجه لمعاداته ويفرح بما يصيبه، حتى أن البعض يرى أنه إنجاز إذ تزوج شخص من المذهب الشيعي بامرأة تعتنق المذهب السني أو العكس. لقد ركزنا على الخلافات البسيطة مثل مسح القدمين أو غسلهما، أو الضم في الصلاة أو السربلة.

نعم، أصبحنا نتقاتل فيما بيننا حتى بين أبناء الطائفة الواحدة، فتنقسم الطائفة إلى عدة فروع ومذاهب، مع أن الدين الإسلامي الحنيف يحث على عدم الاعتداء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنه دين المساواة حتى أنه قال: "لا إكراه في الدين"، وهذه الآية الكريمة تشمل اليهود والنصارى وأهل الكتاب. فقد حدد كيفية التعامل معهم إذا كانوا مسالمين ويرغبون في البقاء على دينهم بدون ضرر أو ضرار، وتوفير الحماية لهم وحفظ حقوقهم مقابل دفع الجزية. أما إن أرادوا الحرب والقتال، فتعليمات القرآن واضحة وصريحة.

إذ كان القرآن قد حدد لنا كيف نتعامل مع الذين ليسوا على ملة الإسلام وبين حقوقهم وواجباتهم، فما بالنا نحن أبناء الدين الواحد نتناحر ونتقاتل فيما بيننا؟. فالله قال: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"، فأين الرحمة وأين العطف فيما بيننا؟. وقال عن اليهود والمنافقين: "بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى". نحن نطبق أي آية؟ هل نحن أشداء على الكفار رحماء بيننا؟ لا والله، نحن أذلة على الكافرين أعزة على المؤمنين، بأسنا بيننا شديد، تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتى، عكس واقع القرآن وعكس الواقع الذي أراده الله ورسوله لنا.

لا نملك إلا الاسم "الدول العربية الإسلامية"، لكن واقعنا متفرقون ومشتتون، أحزاب وطوائف ومذاهب، ونسينا عدونا الأول اليهود والمشركين بحسب وصف القرآن: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا".
لم يقل الشيعة ولم يقل السنة أو أي طائفة أخرى.فلنتكاتف وندع الخلافات التي بيننا جانباً ولنتوحد ضد أعداء الأمة من اليهود والنصارى والمنافقين، فكل شخص سوف يلقى الله بمعتقده، ونحن لسنا رقيباً ولا عتيداً على حركات العباد.

وأخيراً، قال الله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"، لأن التفرقة تخدم أعداء الأمة وتضربنا جميعاً بمختلف طوائفنا.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب