الطيب وعدنان إبراهيم.. باعوا اليمن فخذلوا غزة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
السعودية تعني المال، وعندما تجد أحدهم يثني على السعودية فهذا يعني أنه قبض الثمن مقابل موقفه. وغداة عدوانها على اليمن في مارس 2015، تهافت عبدة المال -بمختلف مسمياتهم- على تأييد الإجرام السعودي، وقد ضمت القائمة أشباه الرجال من أدعياء الدين والمثقفين وغيرهم، إلا أن السمة الأبرز هي أن كل أولئك كانوا ضمن القائمة الأخرى التي باعت غزة لليهود، مع اختلاف الشعارات بين العدوانين.
ففي اليمن، نتذكر كيف أثنى شيخ الأزهر على السعودية وعدوانها على اليمن، حيث وصف العدوان بـ "الدعم السعودي" لليمن الشقيق، مجسداً بذلك الرخص الذي عليه علماء السلاطين. وهو الشيخ نفسه الذي أفتى بعدم الجهاد في غزة بدواعٍ مهترئة، مثل أن الأمة ليست مهيأة بعد لثقافة الجهاد، متناسياً أنه وأمثاله من جلب الجمود الفكري والعقائدي للأمة من أجل تأمين مصالحهم الخاصة.
ولكن قد يقول قائل إن منصب شيخ الأزهر هو منصب "سياسي"، فالرئيس المصري الراحل هو من اختار المدعو "أحمد الطيب" وكلفه بزعامة السلطة الدينية في البلاد، ومن الطبيعي أن يُتجاهل الأحرار ويُقدَّم تجار الدين؛ لأن في ذلك ضمانة لبقائهم في الكراسي لأطول فترة ممكنة، ولذلك لا تجد أزهرياً يقول كلمة الحق إلا من رحم ربي، وما أقلهم في عالم اليوم.
وحتى الدعاة الذين حسبناهم أحراراً في يوم من الأيام، فضحتهم اليمن قبل غزة بسنوات؛ فمثلاً الحبيب الجفري أيد عدوان السعودية والإمارات على بلده، وباع ذمته مقابل الدرهم الإماراتي والريال السعودي، ليتضح لاحقاً أنه باع نفسه للشيطان بعد أن ارتضى التطبيع مع العدو الصهيوني، وتحول إلى بوق يمجد حكام الإمارات ويثني على عمالتهم للكيان الصهيوني، وكما باع اليمن باع غزة، ولا يزال يمارس التضليل الرخيص نفسه حتى لا يخسر وظيفته كعالم سلطة في مضارب آل نهيان.
والكارثة أن رجلاً كعدنان إبراهيم، وهو من أبناء غزة، ينحاز للعدوان السعودي في حينها، وكان ذلك من المفارقات؛ فقد كنا نحسب الرجل من الأخيار ومن أنصار العدالة الإلهية، إلا أنه سقط في أول اختبار أخلاقي وباع دينه ومواقفه بالريال السعودي، وأثنى على عدوانهم على اليمن، كما هاجم "رجال الرجال" بسبب دفاعهم عن دينهم ووطنهم في وجه الهجمة الشرسة لعملاء الصهيونية من آل سعود وآل نهيان. وقد تسلسل عدنان إبراهيم في الخيانة حتى باع غزة وخذل رجالها عندما أدان "طوفان الأقصى" واتهم مجاهديها بخذلان قضيته، ورغم أن العالم رأى حجم التضحيات التي قدموها في مواجهة العدو، إلا أنها في نظر عدنان إبراهيم مجرد مسرحيات.
وأمثال هؤلاء كثر وقد كانت خيانتهم انعكاساً لمشروعٍ متكامل لكيّ وعي الأمة وتدجين إرادتها تحت أقدام الطغاة، ومن المعيب أن تراهم وقد حولوا المنبر الديني إلى "منصة ترويجية" تبرر القتل وتشرعن وجه الخيانة بمساحيق الفتاوى الجاهزة. لقد ألبسوا "العدوان" ثوب "العروبة" في اليمن، بينما نزعوا عن "المقاومة" ثوب "الشرعية" في غزة، لتنكشف عوراتهم الفكرية أمام الشعوب التي لم تعد تنطلي عليها ألاعيب البلاغة المسمومة ولا دموع التماسيح التي يذرفونها في المحافل الدولية، فقد سقطت الأقنعة وبانت الوجوه الكالحة التي لا ترى في الدين إلا وسيلة لجمع الحطام، وفي السياسة إلا فناً للتزلف والارتزاق.
إن ما يجمع هؤلاء، من أزاهرة ودعاة ومثقفين، هو "عقيدة الدرهم" التي وحدت بوصلتهم باتجاه عواصم التطبيع والعمالة، فباتوا يسبحون بحمد أولياء نعمتهم آناء الليل وأطراف النهار، متجاهلين دماء الأطفال في صنعاء وأنقاض البيوت في غزة. لقد صنع هؤلاء ديناً موازياً يفصل بين العبادة والكرامة، فأجازوا لأنفسهم التحالف مع قتلة الشعوب مقابل البقاء في دائرة الضوء وامتيازات السلطة.
وسيذكر التاريخ أن اليمن وغزة كانتا المحك الحقيقي الذي سقطت فيه كل الأصنام الفكرية والدينية التي اعتلت المنابر لسنوات؛ فدماء الأحرار كشفت زيف "العلماء" وزيف "المثقفين" الذين اختاروا أن يكونوا أحذية في أرجل الحكام بدلاً من أن يكونوا تيجاناً على رؤوس الأمة. ولن يغفر الوعي الشعبي المتصاعد لكل من طعن المقاومة في ظهرها أو برر العدوان على الأشقاء، فالكرامة باقية والخونة إلى مزبلة التاريخ.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

