موالاة الكيان الصهيوني بين الوهابية والإنجيلية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
العملاء موجودون بكل المذاهب والطوائف، ولكن الواحد منهم يستحي أن يفتي مثلا بـ"عدم المقاطعة" للمنتجات الإسرائيلية والأميركية، أو يهاجم حماس والمقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان ويكفر قادتها، إلا شيوخ الوهابية فلديهم جرأة على كسر المحرمات والمجاهرة بموالاة أعداء الله ومعاداة أوليائه، وهذا نتاج الكثير من العوامل منها التثقيف الديني لمدارسهم والذي اعتمد منهجاً لا يختلف كثيراً عن المنهج البروتسانتي الإنجيلي الذي جعل المسيحي يتعصب لليهودية أكثر من اليهود أنفسهم.
اعتمد المنهج الوهابي في تثقيفه الديني على فلسفة "إقصاء الداخل وتعظيم طاعة الخارج" (المتمثل في ولي الأمر الموالي للغرب). وبينما يشددون في قضايا العقيدة الفرعية، نراهم يظهرون ليونة مفرطة تجاه القوى الاستعمارية، وهذه المفارقة في المنهج الوهابي هي الركيزة التي سمحت بتحويل الدين من قوة دافعة للتحرر إلى أداة لتثبيت الهيمنة. فبينما يغرق هذا الفكر في تفاصيل "العقيدة الفرعية" ويحاكم ضمائر المسلمين ومذاهبهم، نراه يفتح الأبواب المشرعة للارتهان السياسي للقوى الاستعمارية.
وهذا المسار لا يختلف عما فعلته "الصهيونية المسيحية"، فقد قامت البروتستانتية الإنجيلية، خاصة في أمريكا، على منهج يعيد قراءة ما يسمونه بـ"الكتاب المقدس" برؤية يهودية صرفة، مما جعل المسيحي الإنجيلي يرى في "إسرائيل" تحقيقاً لنبوءات الرب، بل ويتعصب لها أكثر من بعض اليهود العلمانيين، حيث يرى الإنجيليون أن دعم الكيان الصهيوني واجب ديني لتعجيل "الخلاص"، وتحولوا هم إلى المحرك الرئيسي لسياسات واشنطن المتطرفة، من نقل السفارة إلى القدس إلى الدعم العسكري المطلق.
ويبرز خيط رفيع يربط المدرستين الإنجيلية والوهابية يتمثل أولاً في "حرفية النصوص"، حيث تعتمد المدرستان على قشور النصوص وتغيبان المقاصد الكبرى للدين، مما يسهل استخدامهما كأدوات سياسية، كما تلتقيان في "خلق العدو الطائفي"، فكما ركزت الإنجيلية على كراهية الآخر، من الكاثوليك سابقاً والمسلمين لاحقاً، ركزت الوهابية على معاداة المذاهب الإسلامية الأخرى كالشيعة والصوفية، مما جعل "العدو الداخلي" في نظرهم أخطر من "اليهودي المحتل"، وصولاً إلى "الجرأة على المحرمات"، إذ يملك كلاهما وقاحة في تجاوز الثوابت التاريخية؛ فتجاوزت الإنجيلية عداء الكنيسة التاريخي لليهود، بينما تجاوزت الوهابية عداء المسلمين التاريخي للصليبية والصهيونية، لتصبح الموالاة لديهم عقيدة ومنهجاً يتخطى كل المحرمات.
وهذا التماهي في المنهج بين الوهابية والإنجيلية أفرط في إنتاج حالة من "الاستلاب الهوياتي" لدى شريحة من أبناء الأمة، حيث لم يعد شيوخ هذا التيار يكتفون بالصمت تجاه الإجرام اليهودي بحق المسلمين في فلسطين ولبنان، بل انتقلوا إلى مربع "الهجوم الوقائي" دفاعاً عن المشاريع الغربية. ومن هنا نفهم سر تلك الاستماتة في تسفيه فكرة "المقاطعة" ووصفها بـ "الخروج عن الصمت"، بينما يُحتفى بالانفتاح على الثقافات الصهيونية كـ "ضرورة عصرية"، وهو ما يعكس الجوهر الحقيقي لهذا الفكر الذي أُسس ليكون "كابحاً جماهيرياً" ضد أي تحرك ثوري أو مقاوم.
فكما هيأ الإنجيليون في الغرب المسرح السياسي لجرائم الاحتلال، يقوم "أحبار الوهابية" في الشرق بتمهيد المسرح النفسي والشرعي لقبول هذه الجرائم، أو على الأقل تحييد رد الفعل تجاهها، عبر إغراق الشعوب في صراعات مذهبية ثانوية تُصوّر لهم أن العدو هو "الأخ في القبلة" وليس "المحتل للأرض". في عملية غسيل مخ ممنهجة تجعل من الخيانة "وجهة نظر فقهية"، أو "سياسة شرعية"، لتكتمل بذلك حلقة الحصار على الوعي العربي والإسلامي من الداخل والخارج على حد سواء.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

