مبارك حزام العسالي*

في خطوة أثارت كَثيرًا من السُّخرية والتندُّر، اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارًا يدين الهجمات الإيرانية التي طالت القواعدَ الأمريكية في المنطقة، واعتبرها انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للسلم والأمن الدوليَّين، دون حتى ذكر لمَن بدأ العدوان والمعتدي!!

غير أن هذا القرار جاء متجاهلًا السياق الحقيقي للأحداث، ومتغافلًا عن أصل الأزمة التي فجّرت هذا التصعيد في المنطقة.

فما يجري اليوم ليس حربًا نشأت من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للاعتداء العسكري الذي شنته أمريكا وَكَيان الاحتلال على إيران.

وقد شملت تلك الاعتداءات ضربات استهدفت منشآت داخل الأراضي الإيرانية، ولم تقتصر على أهداف عسكرية فحسب، بل طالت أَيْـضًا أعيانًا مدنية يفترض أن يحميها القانون الدولي الإنساني.

ومن أخطر ما تم تداوله في هذا السياق قصف مدرسة للبنات وغيرها من المرافق المدنية، في انتهاك صارخ للقواعد التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت التعليمية خلال النزاعات المسلحة.

وأمام هذا الواقع، ما تقوم به إيران هو ممارسة لحقها المشروع في الدفاع عن النفس في مواجهة عدوان مباشر على أراضيها وسيادتها.

فالقانون الدولي نفسه، وميثاق الأمم المتحدة تحديدًا، يقران بحق الدول في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لهجوم مسلح، وهو مبدأ لا يمكن تجاوزه أَو تجاهله عندما يُراد تقديم قراءة عادلة لما يحدث.

غير أن ما حدث داخل مجلس الأمن الدولي يعكس مرة أُخرى مشكلة بنيوية في النظام الدولي، تتمثل في ازدواجية المعايير.

فعندما يتعلق الأمر بالاعتداءات التي تقودها قوى كبرى أَو حلفاؤها، غالبًا ما يسود الصمت أَو يتم الالتفاف على الحقيقة عبر بيانات دبلوماسية فضفاضة.

أما عندما يأتي الرد والدفاع من الطرف الآخر، فإن المجلس يتحَرّك بسرعة لإدانته تحت عنوان حماية السلم والأمن الدوليين.

إن إدانة النتائج مع تجاهل الأسباب لا تمثل عدالة دولية حقيقية؛ فالقانون الدولي يفقد قيمتَه عندما يُطبَّقُ بانتقائية، ويتحول إلى أدَاة سياسية تعكسُ موازينَ القوة بدلًّا عن أن يكون معيارًا ثابتًا يحتكم إليه الجميع.

ومن هنا، فإن كَثيرًا من الشعوب العربية والإسلامية ترى أن القرار الأخير لا يعالج جوهر الأزمة، بل يساهم في تضليل الرأي العام الدولي عبر التركيز على الرد والدفاع عن النفس وتجاهل الفعل والعدوان الذي أشعل المواجهة في المقام الأول.

لكن إذَا كان الهدف الحقيقي لـ مجلس الأمن الدولي هو حماية السلم الدولي ومنع اتساع دائرة الحرب، فإن المطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات إدانة انتقائية، بل يتطلب خطوات أكثر توازنًا وعدلًا، من بينها:

أولًا: فتح تحقيق دولي مستقل في الضربات التي استهدفت الأراضي الإيرانية، بما في ذلك الهجمات التي طالت الأعيان المدنية مثل المدارس والمرافق الخدمية، وتحديد المسؤوليات وفق القانون الدولي.

ثانيًا: إدانة أي استهداف للمدنيين بشكل واضح وصريح، بغض النظر عن الجهة التي قامت به؛ لأن حماية المدنيين يجب أن تكون مبدأ غير قابل للمساومة أَو التسييس.

ثالثًا: العمل على وقف التصعيد العسكري عبر الضغط على الطرف المعتدي أَو جميع الأطراف لوقف الضربات المتبادلة ومنع توسع المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع قد تهدّد استقرار المنطقة بأكملها.

رابعًا: إطلاق مسار دبلوماسي جاد يعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، لأن استمرار منطق القوة العسكرية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والدمار.

خامسًا: ضمان احترام سيادة الدول وعدم السماح بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للضربات العسكرية العابرة للحدود دون مساءلة أَو محاسبة.

إن السلم الدولي لا يمكن أن يقوم على قاعدة معايير مزدوجة، ولا على إدانة الطرف المعتدَى عليه وتجاهل الطرف المعتدي الذي أشعل الحرب.

فالعدالة الحقيقية تبدأ أولًا بالاعتراف بالعدوان، ثم بمعالجة أسبابه، والعمل على منع تكراره.

وفي غياب هذا التوازن، ستظل قرارات مجلس الأمن الدولي في نظر كثير من شعوب العالم مُجَـرّد انعكاس لموازين القوة السياسية، لا تعبيرًا عن روح القانون الدولي وعدالته.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت