قصة "هاكابي" والجغرافيا المستباحة للعرب
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في الوقت الذي يحاول فيه البعض تسخيف التصريحات السياسية المتطرفة للغرب ووضعها في خانة "الهذيان"، تبرز شخصية "مايك هاكابي"، السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، كنموذج صارخ للمسؤول الذي لا يرى العالم إلا من خلال "منبر كنيسته". وتصريحاته الأخيرة، حول حق "إسرائيل" في التوسع لتشمل الأردن وسورية والكويت وأجزاء كبيرة من مصر والعراق والسعودية، ليست مجرد شطحات "مجنون"، وإنما تعبير دقيق عن عقيدة "إنجيلية صهيونية" متجذرة ترى في الجغرافيا العربية مسرحاً لتحقيق نبوءات توراتية.
يُعد هاكابي أول سفير أمريكي "إنجيلي" لدى الكيان، وهو رجل لا يؤمن بالدبلوماسية التقليدية بقدر إيمانه بعصمة النصوص الدينية لليهود. وبالنسبة له، فإن دعم إسرائيل هو التزام ديني مطلق يستند إلى وعد مقدس، حسب معتقداته، ولذلك نجده في كتابه "القواعد الثلاث: المسيحية، الرأسمالية، والدستور"، يؤصل هاكابي لفكرة أن الولايات المتحدة أمة دينية في جوهرها، وأن مؤسساتها الكبرى كـ "هارفارد" و"ييل" لم تنشأ إلا لتخريج رجال الدين، قبل أن تنحرف نحو العلمانية.
هذه الخلفية تجعل من هاكابي "رجل عقيدة" بامتياز، فهو الذي تبنى المواقف الأكثر تشدداً داخل الكنيسة المعمدانية، وهو الذي يرى في قيام "إسرائيل" وتمددها "محطة رئيسية" في انتظار العودة الثانية للمسيح وقيام مملكة الرب. لذا، حين يتحدث عن التوسع الجغرافي، فهو بلغة "نهاية العالم" والقدر الإلهي المحتوم.
إن ما يطرحه هاكابي يتقاطع بشكل مرعب مع الواقع الميداني. فشعار "إسرائيل الكبرى" لازم أكتاف الجنود الصهاينة في فلسطين المحتلة منذ تأسيس الكيان، واليوم صار سياسة رسمية يعبر عنها قادة الكيان أمثال "سموتريتش" و"بن غفير". عندما يقول سموتريتش إن القدس يجب أن تمتد إلى دمشق، وعندما يؤكد نتنياهو إيمانه بـ"إسرائيل الكبرى"، فإننا أمام "صعود للعقائدية" في مراكز صنع القرار العالمي، من واشنطن إلى تل أبيب.
هذا المشروع ليس "نظرية مؤامرة"، كما يحلو للبعض توصيفه، وإنما "بث حي" نشاهده يومياً. فبينما يتم قضم غزة والضفة إلى جانب أراضي الداخل الفلسطيني، يسير وكلاء المشروع الصهيوني في المنطقة على خطى ثابتة لتفتيت السودان والصومال واليمن، وتطويق الجزيرة العربية عبر خلق بؤر توتر وصراعات داخلية تستنزف المقدرات العربية وتجعلها لقمة سائغة أمام التمدد القادم، وللأسف فإن دولاً عربية تكفلت بتمويل هذه الصراعات لصالح "إسرائيل".
المفارقة المأساوية تكمن في أن المحور الصهيوني نجح في تحييد القوة الدافعة للأمة العربية عبر "تجريم الإساءة لليهود" وجعل الأنظمة في خصومة مباشرة مع هويتها الإسلامية. بينما يفتخر بلينكن بزيارة الكيان "بصفته اليهودية"، ويتحدث "روبيو" عن وحدة المصير المسيحي مع أوروبا، تُدفع الشعوب العربية نحو "ثقافة الانبطاح" وتجريد عقيدتها من أي بعد سياسي أو مقاوم. لقد قدموا متدينيهم كقادة للسياسة، بينما عملوا على وصم المتدينين منا بالإرهاب والرجعية، مما خلق فراغاً عقائدياً جعل من الصعب على الشعوب إعلان الجهاد أو التصدي للمشروع القادم.
إن التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن الهدف النهائي هو الاستفراد بإيران كقلعة أخيرة للمقاومة. فبعد تحييد طهران -حسب مخططهم المعلن- سيتفرغ محور "هاكابي-نتنياهو" للدول الكبرى في المنطقة، ولن تجد هذه الدول ما يحميها من الانقسام والضياع. وهذا المستقبل المخيف الذي يبشر به هاكابي وحلفاؤه لا يمكن مواجهته إلا بتصالح الأنظمة مع شعوبها ومع ثقافة الجهاد والمباينة لأهل الكتاب، وبالإدراك أن الدين في عالم اليوم هو "قوة دافعة" لا يمكن تجاهلها. فالأمة التي تستخف بأعدائها وبعقيدتهم التوسعية، هي أمة تحكم على نفسها بالإبادة، وما نراه اليوم هو نذير شؤم يتطلب صحوة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى عمق العقيدة والوجود.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

