المصالح الأميركية أهداف مشروعة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراعات الدولية على مبدأ "التمهيد الجيواقتصادي"، حيث تُوظف واشنطن ترسانتها المالية كقوة ردع أولية تسبق دائماً الخيار العسكري. وهذا النهج فقط إلى إضعاف القدرات المادية للخصم، قبل تفكيك بنيته التحتية وشبكات إمداده، مما يجعل المواجهة المسلحة اللاحقة أقل تكلفة وأكثر حسماً.
تمثل الحالة العراقية النموذج الأوفى لاستراتيجية "الإنهاك الممنهج"، حيث لم يكن غزو عام 2003 إلا الفصل الختامي لعملية تفكيك بدأت فعلياً قبل ذلك باثني عشر عاماً من الحصار الشامل؛ إذ عُمِد من خلاله إلى تحويل الدولة من قوة إقليمية صاعدة إلى كيان متهالك ومجرد من مقومات الصمود تقنياً وعسكرياً، والأخطر من ذلك كان الأثر الاجتماعي العميق، حيث أدى تدهور الوضع المعيشي وسحق الطبقة الوسطى إلى تآكل اللحمة الوطنية وبروز الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، مما خلق حالة من الاغتراب السياسي والسخط الشعبي تجاه النظام، فغدت الساحة العراقية حينها مهيأة تماماً للسقوط نتيجة فراغ داخلي وتصدع مجتمعي أحدثه "المشرط الاقتصادي" قبل وصول أول جندي إلى أرض المعركة.
وقد توسعت دائرة "الإرهاب الاقتصادي" الأمريكي لتشمل كل القوى المناهضة للمشروع الصهيوني في المنطقة، وهو ما يتجلى بوضوح في نموذجي اليمن وإيران؛ ففي اليمن، وعقب ثورة 21 سبتمبر، فُرضت قيود اقتصادية خانقة وحصار بحري وجوي استهدف تجفيف منابع الدخل القومي وتعطيل المؤسسات الحيوية، في محاولة لتركيع الإرادة السياسية الجديدة وعزلها عن محيطها الإقليمي. أما الحالة الإيرانية، فتمثل الصراع الأطول أمداً، حيث واجهت طهران منذ ما يقرب من نصف قرن ترسانة من العقوبات المتلاحقة التي طالت قطاعات الطاقة والمصارف والتكنولوجيا، بهدف "تدجين" القرار السيادي الإيراني وإجبار الدولة على التخلي عن ثوابتها الأيديولوجية ودعمها لحركات المقاومة. وهذا التوظيف المفرط للعقوبات يتجاوز كونه أداة ضغط سياسي ليصبح "حرباً وجودية" تسعى من خلالها واشنطن إلى خلق بيئة طاردة للاستقرار الداخلي وتأليب الشارع عبر سلاح "الجوع والأزمات المعيشية"، لضمان بقاء الهيمنة الصهيو-أمريكية كقدر لا يمكن الفكاك منه في خارطة "الشرق الأوسط الجديد".
تكمن المفارقة الصارخة في أن واشنطن، وهي تمعن في سياسة "الإفقار الممنهج" لخصومها، تتجاهل حقيقة جيوسياسية بالغة الخطورة؛ وهي أن خاصرتها الاقتصادية الرخوة تقع حرفياً على مرمى حجر من نيران هؤلاء المعاقبين. فمنطقة الخليج، التي تُدار تاريخياً كـ "مزرعة خلفية" للمصالح الأمريكية، تمثل المستودع الأكبر للثروات السيادية المصبوبة في الشرايين المصرفية لنيويورك، والسوق الاستهلاكية الأكثر نهمًا للمنتجات والخدمات التقنية الأمريكية، فضلاً عن كونها الحامل الجغرافي لأضخم القواعد العسكرية ومراكز المعلومات الاستخباراتية التي كلف إنشاؤها وتشغيلها مبالغ فلكية.
وأمام هذا الصلف، تبرز "المشروعية الأخلاقية والسياسية" لرد الصاع صاعين؛ إذ إن استهداف هذه المصالح الحيوية يمثل رداً متكافئاً على حرب التجويع. وفي حال انزلاق المواجهة نحو استهداف مباشر لتلك المراكز والتدفقات المالية، فإن حجم الخسائر التي ستتكبدها الخزانة الأمريكية — سواء بفعل تضرر البنية التحتية الطاقوية أو توقف سلاسل الإمداد أو فقدان مراكز السيادة التقنية — قد يتجاوز بمراحل كلفة العقوبات المفروضة على اليمن وإيران، مما يحول "المزرعة الأمريكية" في المنطقة من مصدر للثراء والنفوذ إلى عبء استراتيجي باهظ الثمن، يهدد استقرار النظام المالي العالمي في الصميم.
علاوة على ذلك، فإن هذه المعادلة تضع واشنطن في مأزق استراتيجي فريد؛ إذ إنها بقدر ما تراهن على سياسة "الحافة" لإخضاع خصومها، فإنها تعزز في الوقت ذاته قناعة لدى هؤلاء بأن الرد من داخل العمق الحيوي للمصالح الأمريكية هو السبيل الوحيد لكسر طوق الحصار وإعادة التوازن لقواعد الاشتباك.
وبما أننا نعيش في عالم رأس مالي تحكمه المصالح، لم يعد من المنطقي أن تظل أدوات الهيمنة الأمريكية في الخليج محمية بالحصانة المطلقة بينما تئن شعوب المنطقة تحت وطأة الحرمان الاقتصادي، وبالتالي فإن تحول هذه القواعد والمراكز من "أدوات نفوذ" إلى "أهداف استراتيجية" يعني عملياً تقويض أسس الهيمنة الأمريكية ذاتها، حيث إن أي ضربة لمصالحها في هذه المنطقة ستتحول فوراً إلى هزة ارتدادية في أسواق المال العالمية وعجز تقني ولوجستي في آلة الحرب الأمريكية، مما يثبت أن استراتيجية الإفقار قد أطلقت يد الخصوم لضرب "العصب الحيوي" للمخطط الأمريكي، فبات الرد من موقع الاستضعاف يمتلك القدرة على إلحاق ضرر وجودي يتجاوز في مداه وتأثيره كل سنوات الحصار والضغط الممارس.
لقد أفرطت واشنطن في الاعتماد على "سلاح الحصار" متجاهلةً أن استراتيجية الإفقار قد حولت المنطقة إلى ساحة مغلقة تتداخل فيها مصالحها الحيوية مع نيران خصومها، مما يجعل الهيمنة الأمريكية اليوم رهينةً لاستقرار أهدافها الاستراتيجية في الخليج؛ فالتصعيد الاقتصادي بات يمنح الطرف المستهدف مبرراً مشروعاً لقلب المعادلة عبر ضرب العصب الاقتصادي والعسكري لواشنطن، لتتحول "المزرعة الأمريكية" من منصة نفوذ إلى نقطة ضعف تهدد بانهيار كامل للمصالح التي سعت واشنطن لعقود لحمايتها عبر العقوبات والحروب.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

